الصفحة 43 من 69

وتَسْطَع: (فمن أظلم ممن كَذَبَ على الله وكَذَّبَ بالصِّدْقِ إذْ جَاءَه أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوَىً للكافرين) [1] .

والكاتب -هداه الله وردَّه للحق- يظنّ أنّ المراد بالحديث: الإخبار عن عين شخصٍ محدَّدٍ سيكون هو آخر أهل النار خروجًا منها، وأنَّ هذا الشخص المعيَّن يعَْلَمُ أنَّهُ هو نفسُهُ المعنيُّ بالحديث؛ وبالتالي فكيف يكونُ الحديث صحيحًا وهذا الرَّجُلُ بيدِهِ أنْ يُفْسِدَ كل هذا بأنْ يؤمن ويذعن-مثلًا-؛ وبالتالي لا يكونُ هناك دخولٌ للنار أصلًا!.

هذا الفهم -فيما بدا لي- هو الذي سبق إلى ذهن"ابن قرناس"، ولذا فأنت تراه يقول: (فقد ولد ومات مليارات البشر .. وسيولد ويموت مليارات أخرى قبل أن تقوم الساعة .. وكلهم سيكون لديهم الخيار المطلق في عمل ما يشاءون .. ولن يعلم أحد من البشر .. ما مصيرهم إلا يوم الحساب .. وبعد الحساب لا قبله سيعلم كل إنسان مصيره .. ) [2] .

والواقع أن الحديث إخبار عن جِنْسٍ لا عَنْ عَينٍ، وشأن اسم الجنس كشأن النكرات: لا يدل على واحد معين [3] ، فهو يُبَيِّنُ أنَّهُ سيكون من أجناس الناس جنسٌ هو آخر من يخرج من النار، وآخر من يدخل الجنة، ثم قد يكون هذا الجنسُ واحدًا؛ وقد يكون عددهم بالعشرات أو المئات أو ما لا يعلمه إلا الله، وبمقتضى المعلوم من الشريعة بالضرورة فإن هؤلاء الجنس من الناس لا يعلمون في الدنيا ما مصيرهم، وأنهم سيكونون من هؤلاء الذين يدخلون الجنة آخرًا، يقول الحافظ ابن حجر: (قال عياض: جاء نحو هذا في آخر من يجوز على الصراط .. ، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان أو جنسان، وعبّر فيه بالواحد عن الجماعة لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك .. ) ، قال الحافظ معلقًا على كلام القاضي عياض:

(1) سورة الزمر آية 32.

(2) الحديث والقرآن 31 - 32.

(3) انظر: النحو الوافي عباس حسن 1/ 281، وقال الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه"جامع الدروس العربية"20/ 1: (اسمُ الجنسِ هو الذي لا يختصُّ بواحد دون آخرَ من أفراد جنسه كرجل وامرأة ودار وكتاب وحصان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت