فهرس الكتاب
فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ) [1] .
لقد عنون"ابن قرناس"على هذا الحديث بقوله: (أحاجي وألغاز) كذا، ثم علق عليه قائلًا: (فما الفائدة العلمية أو التشريعية المرجوة من إدراج مثل هذه الحكاية؟ وأين هي العلاقة بين هذا الحديث ودين الله وتشريعاته التي لا مجال فيها للأحاجي والألغاز .. ) [2] .
وكما هي عادة"ابن قرناس"أنه يسوق الحديث النبوي؛ ثم يمطره بوابل من الأسئلة التي لا يضيف بها فائدة ولا يحكي من خلالها علمًا، وإنما هي في حقيقتها: مجرَّدُ حكايةٍ منه لِجَهْلِ نفسِهِ، وأنت تراه هنا يسلك ذات السبيل فيقول: (ما الفائدة .. ) ، و (أين هي العلاقة .. ) .. هكذا يرسل الإشكالات دون أنْ يُكلِّفَ نفسَهُ بـ:"بيان"هذه الفائدة التي يسأل عنها أو حتى"دحضها"، و لا حاول"إيجاد"تلك العلاقة التي يستفسر عنها أو حتى"إبطالها"، وإنما أراح نفسه واتكأ على"كيف"و"أين"و"لماذا"، وليست هذه الطريقة من العلم في شيء، وكلُّ أحدٍ يستطيع أنْ يستشكل على هذا النحو على الحديث النبوي وعلى القرآن الكريم أيضًا، ولكن ليس كلُّ أحد يُهْدَى لشرح دلالتهما، وتوضيح مراد الله ورسوله منهما على الوجه الصحيح.
والذي يقال جوابًا على ما أورده الكاتب: أنَّ هذا الحديث خبرٌ عن كلام دار في مجلس كان فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم -، وأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل أصحابه هذا السؤال اللطيف: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي) ؟، وفي طرح النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه الأسئلة على أصحابه ملاطفة لهم، وفيه تنبيه إلى العلاقة الرابطة بين المسلم وبين هذه الشجرة"النخلة"وهي: عموم النفع وعظم البركة، مع كونها من أساليب التعليم واختبار حضور الذهن، وقد نصَّت على مثل هذه الطرائق التعليمية الدراساتُ التربوية الحديثة، ولذا
(1) الحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1/ 22) .
(2) الحديث والقرآن 33.