فهرس الكتاب
وهذا التقدير للسنّ التي اشتهر فيها ابن عباس - رضي الله عنه - بعيد -والعلم عند الله تعالى-، فإنه قد عرف بالعلم واشتهر به قبل هذا التاريخ بكثير في حياة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم -، وما قصة إدناء عمر - رضي الله عنه - له وسؤاله بحضرة كبار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تفسير سورة النصر عنا ببعيدة، وهي دالّة على ظهور نبوغه مبكرًا قبل أنْ يتمّ العشرين من عمره، أو بعدها بقليل.
وكذلك قصة كراهيته لتسارع الناس في حفظ القرآن في مجلس عمر - رضي الله عنه -، وانتهار عمر له - رضي الله عنهم -، وفيها يقول ابن عباس - رضي الله عنه: (فاضطجعت على فراشي .. فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين؛ فخرجت فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فأني أستغفر الله، وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة، يَحْتَقُّوا، ومتى ما يَحْتَقُّوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك، لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها) [1] .
وأما في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ فقد روى ابن سعد في الطبقات بإسناده عن عمرو بن دينار: (أن أهل المدينة كلموا ابن عباس أن يحج بهم، فدخل على عثمان، فأمره، فحج، ثم رجع، فوجد عثمان قد قتل) [2] ، وهذا كله ظاهر في الدلالة على أنّ ابن عباس - رضي الله عنه - قد ظهرت مكانته في العلم في مرحلة متقدمة.
وسواء كان ذلك أو لم يكن؛ فهذا لا أثر له في ثبوت دلالة الخبر، إذ إن ابن عباس - رضي الله عنه - في الحديث الذي معنا- ناقل لا منشئ كما سيتضح.
(1) سير أعلام النبلاء 3/ 349.
(2) انظره في سير أعلام النبلاء 3/ 349، وقد ساق إسناد ابن سعد.