الصفحة 51 من 69

ثم على فرض التسليم بكون ابن عباس - رضي الله عنه - إنما عرف بالعلم واشتهر في مرحلة متأخرة؛ فإن"ابن قرناس"قد أَكَدَّ نفسه بالتأمل في كيفية إبطال القصة فقط؛ فتشاغل في سبيل ذلك بمعرفة سنِّ ابن عباس - رضي الله عنه - .. الخ، ولم يكلِّف نفسه إكمال قراءة بقية الحديث، والذي جاء فيه دواء عيِّه وجواب سؤاله، وبيان أنّ تسمية صاحب موسى - عليه السلام - لم تكن تكهنًا من ابن عباس - رضي الله عنه - ولا رجمًا بالغيب، وهو قوله في الحديث: (فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ .. هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ شَانَهُ؟، قَالَ: نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى - عليه السلام - فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لا، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ .. ) [1] .

فالحديث فيه أنّ تسمية صاحب موسى - عليه السلام - بالخضر - عليه السلام -؛ جاءت مرفوعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربِّه - جل جلاله -، وهو - صلى الله عليه وسلم - (ما ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى) ، ومجيء الرواية المرفوعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبيّ بن كعب - رضي الله عنه -؛ يدل على أنًّ ابن عباس - رضي الله عنه - كان قد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أُخبر من أحد الصحابة - رضي الله عنهم -، فتكلم في المسألة بناء على هذا العلم السابق، ثم أراد التثبت في ذلك من أبيِّ بن كعب - رضي الله عنه -؛ فلا هو برجم بالغيب ولا تخرُّصٌ، ولا هو كلام بغير علم كما أحب أنْ يظهره"ابن قرناس".

ثم لاحظ إشارة الكاتب الماكرة، والتي أدرجها ضمن كلامه؛ فتسلَّلَتْ بين ثنايا كلامِهِ كما يتسلل الصِّلُّ بين الأَحْرَاجِ؛ فقال: (وقصص الأمم السابقة إذا لم ينزل بها قرآن على الرسول فهي من أنباء الغيب التي لا يعلمها) ؛ فجعل سبيل علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأخبار والقصص مصدره الوحيد هو القرآن الكريم فقط، ويلزم على قوله هذا إحدى بواقع ثلاث:

1 -أنَّ كل ما أوحى الله تعالى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قصص الأنبياء فهو قرآن، وعليه فأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي قصَّ فيها أخبار الأنبياء وأممهم كلها داخلة في مسمى

(1) انظر الحديث والقرآن 34، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1/ 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت