فهرس الكتاب
القول الثاني: أن الآية لا تعلق لها بما قبلها؛ أن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله، لأن النسيان من الشيطان) [1] ، وبكلٍ قال قائل من السلف - رضي الله عنهم -.
والأولى في معنى الآية -فيما أظنه والعلم عند الله تعالى- أنْ تكون متصلة بمعنى الكلام الذي سيقت فيه في تعليم الاستثناء تحديدًا، وأما القول بأنّ في الآية توجيهًا لما يقال عند النسيان مطلقًا فهو قول له حظ من النظر؛ إلا أن فيه فصلًا للجملة من سياقها وهو خلاف الأصل، إضافة على كونه قولًا حكاه الماوردي دون نسبته إلى قائل [2] .
وبأيّ وجه من الأقوال قلتَ؛ فإنه لا يدلُّ واحدٌ منها على أنّ الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه؛ عن المعجزة النبوية في حفظ أبي هريرة - رضي الله عنه: حديثٌ باطلٌ؛ لأنه دلّ على طريقةِ علاجٍ للنسيان تخالفُ الطريقة التي أرشدت إليها الآية، ولا قائل بهذا من الفرق المنتسبة للسنة مطلقًا، وجملة القول: أنَّ"ابن قرناس"حمل الآية على أضعف ما قيل في معناها، مما يضعف كل ما بناه على هذا الحمل.
ومما يحسن ذكره هنا فيما يرتبط بنسبة النسيان للنبي - صلى الله عليه وسلم - قول الإمام ابن عطية الأندلسي: (والصحيح في هذا: أنَّ نِسيَانَ النبي صلى الله عليه وسلم لما أرادَ اللهُ تعالى أنْ يَنْسَاهُ ولم يُرِدْ أنْ يُثْبَتَ قُرآنًا جائزٌ؛ فأمَّا النِّسيانُ الذي هو آفَةٌ في البَشَر: فالنبيّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ منه قبل التبليغ وبعد التبليغ؛ ما لم يَحْفَظْهُ أَحَدٌ من أصحابِهِ، وأما بعد أنْ يُحْفَظَ فَجَائِزٌ عليه ما يجوزُ على البَشَر، لأنَّه قد بَلَّغَ وأَدَّى الأمانة) [3] ، ويقول الإمام العيني: (وقال الجمهور: جاز النسيان عليه أي على النبي صلى الله عليه وسلم فيما ليس
(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (19/ 118) .
(2) زاد المسير لابن الجوزي 5/ 128.
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (1/ 178) .