الصفحة 63 من 69

قلت: إنَّ الله تعالى لا يُسأل عما أبداه لخلقه من العلم لِمَ أبداه، ولا عَمَّا شَرَعَ سَتْرَهُ عنهم -لعدم حاجتهم إليه -لِمَ شرع إخفاءه، يقول الله تعالى: (لا يُسألُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسألون) [1] .

وقد بيَّن تقدَّس وتعالى أنه قد أخفى عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - سيما بعض أهل النفاق لحكمةٍ بالغةٍ يعلَمُهَا: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مَرَدُوا على النفاق لا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم) [2] ، وقال تعالى: (ولو نشاء لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيْمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القول والله يعلم أعمالكُمْ) [3] .

ولْيَحْمَدِ اللهَ أمثالُ"ابن قرناس"؛ ولْيقطِّعْ ساعاتِهِ شُكرًا؛ أنّ الله - جل جلاله - قد أخفى هذه الحقيقة النِّفاقِيَّةَ المُسْتَسِرَّةَ في القلوبِ وبين الجوانح -عند البعض- فلم يُطْلِعْ عليها الناس، وإلا فلو أنّ كُلَّ مَنْ أخفى نِفَاقَهُ؛ فَضَحَهُ اللهُ وأظهَرَ مَكْنُونَ قلبه على وجهه وسِيْمَاهُ: لكان الحالُ كما قال الله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا ملعونين أينما ثقفوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) [4] ، وربما لو تمَّ ذلك الإغراء الربّانيّ بالمنافقين: لما رأينا كثيرًا من خفافيش النِّفاق الآن وهم يقدحون في الشَّرع، ويهدمون السنة، مُسْتَسِرِّينَ بالأسماء والألقاب المستعارة.

وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا الثاني الذي ذكره"الكاتب"؛ مطابق تمامًا للتبويب الذي بوَّبه الإمام البخاري عليه"حفظ العلم"؛ وذلك أنّ الحديث دل على أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد بثَّ أحد هذين الوعاءين، فهذا البثُّ هو عين حفظ العلم -الذي يحتاج الناس إليه في دينهم- من الضياع، وأما الوعاء الآخر فقد كَتَمَهُ حفظًا له أيضًا؛ لأنه مما لا يحتاج الناس إليه في دينهم من أخبار المستقبل.

(1) سورة الأنبياء آية 23.

(2) سورة التوبة آية 101.

(3) سورة محمد آية 30.

(4) سورة الأحزاب آية 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت