الصفحة 68 من 69

وأما المسألة الثالثة؛ فيقال فيها: إنه لا يلزم من وقوع الاغتسال حصول اطلاعهما على شيء من العورة التي لا يحل لذي المحرم الاطلاع عليها، وغاية ما هنالك أنها أرتهما ما يحاجان إلى العلم به من إمكان أرواء شعر الرأس بهذا المقدار من الماء، يقول الإمام الحافظ ابن رجب: (قالَ القرطبي: ظاهر هذا الحديث أنهما - يعني: أبا سلمة وأخا عائشة - أدركا عملها في رأسها و أعلى جسدها، مما يحل لذي المحرم أنْ يطّلع عليهِ من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسبًا، والآخر أخوها من الرضاعة، وتحقّقا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل) [1] .

وليس من لازم ذلك أصلًا وقوع تعرٍّ من أمّ المؤمنين رضي الله عنها، والاغتسال بالماء لا يفتقر صحة إطلاقه إلى نزع الثياب كلها، بل الظاهر أنها صبت على رأسها من الماء بعد أنْ نزعت ما تعتجر به على رأسها فقط، ثم لو ثبت ذلك جدلًا؛ فقد جاء النص في رواية الصحيحين وغيرهما على أنَّ أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعًا من وراء حجاب -كما سبق-.

ومهما يكن من شيء، ومهما قلت من قول في هذه الحادثة وكيفية حصولها، فدعك من تقليب القول فيها وإطالته، ولا يلبسن عليك الكاتب بالاشتغال بهذه التفاصيل؛ لأن"ابن قرناس"هنا لا يعنيه أكثر من أنْ يبطل الحديث، بغض النظر عن حقيقة دلالته الصحيحة، ولذلك فقد فزع في سبيل إبطال السنة النبوية هنا إلى قول شنيع يقفُّ منه شعر البدن استنكارًا وتعظيمًا، حيث التفت إلى الحديث التفاتة الضبع، وقد استجمع العزم على الفتك بالسنة وافتراسها؛ فقال: (وبالنسبة للغسل من الجنابة فلا حاجة لسؤال أم المؤمنين ولا حتى الرسول عنه .. ) !!.

أحقًا لسنا بحاجة لسؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما أنزل الله في كتابه من صفة غسل الجنابة؟، أفليس الله تبارك وتعالى قد قال في محكم تنزيله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم

(1) فتح الباري ـ لابن رجب - (1/ 248) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت