…فلقد مزج الشاطبي رحمه الله في كتابه"الموافقات"تعريفه للمقاصد الضرورية بين الدنيا والآخرة لأن بُعدَ الأمة لم يكن حاضرًا في كتابته . أما ابن عاشور فإنه يقرر بوضوح:"فالشرائع كلها وبخاصةٍ شريعة الإسلام جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل ، أي في حاضر الأمور وعواقبها ، وليس المراد بالأجل أمور الآخرة لأن الشرائع لا تُحددُ للناس سيرهم في الآخرة ، ولكن الآخرة جعلها الله جزاء على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا" (1) .
…ومن هنا لا نرى غرابةً في أن الشاطبي يكتب للفرد ويُحددُ مقصد الشريعة بأنه إخراج العبد عن داعيةِ هواهُ ليكون عبدًا لله ، ويمزج بين الدنيا والآخرة ويتكلم عن التكاليف بأن منها ما هو معقول المعنى - أي أن باستطاعة البشر إدراك المعاني والحِكَمْ الكامنة وراء تكليفهم بها - ومنها ما هو غير معقول المعنى ..
…أما ابن عاشور فحيث أنه وضع الأمة كإطارٍ للبحث في المقاصد فقد كان من المناسب تمامًا أن يفصل بين الحديث عن المقاصد وبين أحكام الآخرة ، لأن الآخرة هي جزاءٌ للأفراد {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} وكذلك فإنه يكتب عن الأمة ، والجزاء الجماعي للأمة هو في الدنيا ، كما أن المسؤولية عما تتورط فيه الأمة مسؤولية جماعية {واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ومن الصعب إدخال النيات ومقاصد الأفراد في صياغة الأحكام الجماعية . ولذلك فقد وصف ابن عاشور التشريع بأنه قانون الأمة .
…وإن من الواضح أنه عندما يكون الحديث عن الأفراد كإطارٍ للمقاصد فإن من الطبيعي أن تتوسع دائرة التعبد وغير معقول المعنى، لأن الفرد مُطالبٌ بالإيمان بالغيب ، ومُطالبٌ بالإيمان بالمُتشَابه من آيات الصفات دون كيف ، ومُطالبٌ بالإحالة إلى التسليم عند الشك ، ومُطالبٌ بمخالفة الهوى ، ومُطالبٌ بإصلاح النية والقصد والتوجه ولو لم يعلم على التفصيل حكمة ما طُولبَ به من عبادات وشعائر ونُسكٍ وأوامر ونواهٍ .
(1) 1 ص 10