الصفحة 3 من 5

…وكلما تجاوز الأمر العباديُّ الفرد وأُعطي بصيغةٍ تمس الأمة والجماعة ضاقت مساحة غير معقول المعنى ، وتوسَّع العلماء في الحديث عن المصالح والحِكَم . ولا تجد من ينكر المعاني والمصالح الكامنة وراء اجتماع المسلمين للصلاة والجمعة والأعياد والزكاة والصدقات وصلة الأرحام وعيادة المرضى والمواساة وغير ذلك من الأمور ..

…حتى إذا وصل الأمر إلى ترتيب مصالح المسلمين العامة في الدنيا كان من الطبيعي أن تضيق بل وتنتهي دائرة غير معقول المعنى لأن ذلك ألصقُ بطبيعة التدين الفردي الذي مال ابن عاشور إلى تسمية أحكامه بالديانة تمييزًا لها عن التشريع الذي خصّهُ بمجال الأمة.

…ومن هذا الإطار تحدّثَ ابن عاشور عن حاجة الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة بحيث تضيق مساحة القضايا التي لا يعرف علل أحكامها أو حكمة الشارع في تشريعها بقدر ما يتحصّلُ له من الفهم العميق والربط الوثيق بين أوضاع الأمة ومقاصد التشريع .

…وبهذا يكون هناك إطارٌ فرديٌ للعقائد والأحكام لا ضير في توسع مساحة التعبدي فيه إيمانًا بالغيب وتبتلًا في رحاب الخضوع والعبادة ، وتسليمًا بأن المحدود الضعيف لا يمكن أن يحيط بالمطلق الذي وسع كرسيه السماوات والأرض .

…وأما إطار الأمة فالأصل فيه أن تضيق مساحة غير معقول المعنى ، لأن أمر الأمة في الدنيا مبنيٌ على المصالح ، والمصالح في الدنيا بطبيعتها معقولة المعنى يتسلطُ عقل الإنسان عليها بالفهم والترجيح والموازنة ، ويسترشد بضوابط الوحي المعقولة في إجراء ذلك الترجيح وتلك الموازنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت