فهرس الكتاب
وسادس الأعمال: هو البيتوتة في مزدلفة، وعدم الخروج منها حتى يُسْفِر الصباح جدًا. وقد دل على ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ إنه لزم البيتوتة في مزدلفة حتى أسفر الصبح جدًا. كما جاء ذلك في حديث جابر عند مسلم وحديث ابن عباس في البخاري وغيره.
وها هنا تنبيهات:
أولها: أن البيتوتة: يُقصد بها المُكث في المكان، ولا يُشترط النوم. إلا أن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أنه اضطجع حتى أصبح، ولذلك يقول ابن القيم ـ يرحمه الله:"هديه - صلى الله عليه وسلم - في مزدلفة عند البيات بها، هو الاضطجاع وليس المقصود الاضطجاع، وإنما المقصود البقاءُ والمكث فيها".
ثانيها: هو أن الضعفة من الناس يجوز لهم أن يدفعوا إلى منى؛ حتى يرموا جمرة العقبة، قبل زحمة الناس. وقد دل على ذلك ما أخرجه الشيخان، من حديث عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر:"أنها دفعت إلى منى، ورمت الجمرة بعد مغيب القمر"وكذلك حديث ابن عباس في [الصحيحين] :"أنه قُدِّمَ مع ضعفة أهله إلى منى"وكذلك حديث عائشة: أن سودةَ ـ رضي الله عنها ـ أستأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم -"أن تتقدم إلى منى وكانت امرأة ثَبِطَة ـ يعني ثقيلة ـ فأذن لها النبي - صلى الله عليه وسلم -. والأحاديث في ذلك كثيرة."
وليُعلم أن هناك شرطين حتى يجوز الدفع من مزدلفة إلى منى قبل الفجر:
أمَّا الشرط الأول: فهو أن يكون الإنسان ضعيفًا محتاجًا إلى الدفع، لحديث ابن عباس في [الصحيحين] :"قُدِّمتُ مع من قُدِّمَ من ضعفة أهلي"؛ ولأن المتقدِّمين جملتهم من الضعفة، كالصبيان، والنساء الضعيفات، ونحو ذلك.
وأمَّا الثاني: فهو أن يكون الدفع بعد منتصف الليل، واختُلف هل المقصود بمنتصف الليل، منتصفه من غروب الشمس ليلة مزدلفة إلى طلوع شمس يوم النحر، أم أنه نصفُ الليل من وصول المُحرِم في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس قولان:
المذهب: الأول أي أنه من غروب شمس يوم عرفة، الذي فيه دخولٌ لليلة مزدلفة إلى طلوع شمس يوم النحر. هذه الليلة يُقسم وقتُها على اثنين، أي يُعدُّ الوقت من المغرب إلى طلوع الشمس ـ من غروب الشمس إلى طلوع الشمس ـ تُعدَّ الساعات ثم تُقسَّم على اثنين، ناتج القسمة هذا هو نصف الليل، إذا زاد عليه، زاد على نصف الليل وهكذا يُقاس.
وعلى القول الأول السابق: هو أن الإنسان إذا وصل إلى مزدلفة، يعدُّ هذا الوقت إلى طلوع الشمس، من الساعات ثم يقسمها على اثنين، حاصل النتيجة من القسمة على اثنين، هو نصف الليل له، وهذا هو القول الثاني:
والمذهب عليه جماهير الأصحاب أن الدفع جائزٌ بعد نصف الليل.