أولها: ما أخرجه الحاكم في [مستدركه] وصححه، ووافقه عليه الذهبي، من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تلا قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا} قيل: ما السبيل يا رسول الله؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (زاد وراحلة) . والحديث مختلف في صحته إلا أن له طُرقًا يُعضِّدُ بعضها بعضًا ومن ثم يَصِح. وقد جزم بذلك شيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] والحافظ ابن حجر كما في [التلخيص الحبير] وجماعة.
ومن الأدلة أيضًا: ما أخرجه البيهقي في [السنن] وكذا أبو داود في [مراسيله] عن الحسن البصري يرحمه الله أنه فسر (السبيل) : بالزاد والراحلة. وقد صححه إلى الحسن جماعة، ومنهم الحافظ ابن حجر
ـ يرحمه الله ـ كما في [التلخيص الحبير] .
ومن الأدلة أيضًا: هو أن يُقال: الذهاب إلى مكة للحج، أو العمرة، هو ذهاب إلى مسافة طويلة، فإما أن يكون بلا مال، ولا راحلة؛ وفي ذلك انقطاع وهلكة ومشقة؛ وعَنَت شديد، وإما أن يكون بمال وراحلة، إذ إن الراحلة يُتبلَّغ بها، والمال يُتقوت به حتى يُتوَصل إلى البُغية وهي الحج، ومن ثم صَحّ اشتراطه من حيث النظر.
قوله: [تَصلح لمِثلِه] .
أي: تصلُح الراحلة والزاد لمثل هذا الشخص، إذ الأعراف والأشخاص يختلفون. فمنهم من تصلح له راحلة مسرجة، ومنهم من تصلح له راحلة بهودج، وهكذا فهم يختلفون. وضابط ذلك هو صلاحها له من حيث العادة، ومن حيث العُرف، فما صَلُح لمثلهِ صَلُح له عُرْفًا وعادة. وهذا الضابط جزم به جماهير الأصحاب وجزم به المصنف هنا.
ودليله هو من حيث النظر: إذ إن أحكام الله ورسوله T إذا لم يأتِ ضابطها لا في الشرع، ولا في اللغة، فإنه يُرجع في ذلك إلى الأعراف، والعوائد الصحيحة والعُرف والعادة محكمة في مثل ذلك.
قوله: [أو مِلكُ ما يقدر به على تحصيل ذلك] .
أي: لا يُشترط وجود زاد وراحلة قائمة عنده، لكي يكون الأمر واجبًا عليه، بل إذا كان قادرًا على امتلاك راحلة، وكذلك زاد يتقوت به؛ جيئةً وذُهوبًا إلى مكة في الحج فإن ذلك هو كاشتراط الزاد والراحلة وجودًا وعدمًا.