وقد حكى ابن رشد في [البداية] إجماع الأئمة أنه لا يُقصد الزاد والراحلة بنفسها. وإنما الاقتدار عليها، وهذا داخل في الشرط المذكور آنفًا: فملك ما يُقدر به على تحصيل زادٍ وراحلة؛ هو كاشتراط الزاد والراحلة. وسبقت أدلة الزاد، والراحلة والاقتدار في حكمه. كما ذكره ابن رشد إجماعًا.
قوله: [بشرط كونه فاضلًا عما يحتاجه من: كُتب، ومسكن، وخادم] .
فيه تنبيه إلى أن الزاد والراحلة إن وُجِدت، أو القدرة على الزاد والراحلة، لا بد أن يكون فاضلًا عن حوائج المرء الأصلية، ومن ذلك المسكن: وهو البيت. ومن ذلك الخادم، لمن هو بحاجة إلى الخادم ككفيف أو غيره، ومن ذلك الكُتب، لأهل العلم وطلابه، فإنه لا يجوز بيعها في المذهب لأن يُتقوّت إلى الحج. وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ كما في [شرحه على العمدة] والكتب: وهذا هو المختار عند جماعة من الفقهاء نوعان:
الأول: مالا يُستطاع تركه للحاجة إليه في التّفقه في الدين، ونحو ذلك فهذا لا يجوز بيعه.
الثاني: ما كان زائدًا عن هذا المقدار، فأداء الحج ولو بيعت أولى من إبقائها.
وهذا الشرط إنما ذكر؛ لأن أوامر الشرع تُفهم في ظل الاستطاعة والإبقاء على الحوائج الأصلية التي يسير عليها المرء في حياته، وهذا أمر متفق عليه كما قاله شيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] .
قوله: [وأن يكون فاضلًا عن مؤونته ومؤنة عياله على الدوام] .
أي: ينضاف إلى ذلك، أن تكون الراحلة والزاد، قد فَضُلَت عن النفقة الأصلية على النفس وعلى من يعوله الشخص. فإذا كانت زائدة على ذلك، فإنها هي التي يُتبَلغ بها. أما إذا لم تكن زائدة على ذلك، فإنه لا يجوز ترك النفقة الواجبة على النفس لِشِراء راحلة، أو تقوت، وتَرك الأهل بلا نفقة حتى يموتوا ويَهلكوا فهذا لا يجوز.
ويدل عليه أدلة:
منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضِرار) وهو حديث حسن وسبق مِرارًا ودلالته هنا ظاهرة.
وأما الثاني: فالإجماع، وقد حكاه النووي في [شرحه على المهذب] وكذا غيره.
قال رحمه الله تعالى: [فمن كمُلت له هذه الشروط .. لمن يحج ويعتمر عنه]
هذه الجملة ذكر فيها المصنف يرحمه الله مسائل:
أولها: أن من كمُلت له الشروط السابقة، فإنه يجب عليه أن يأتي بالحج، والعمرة فورًا ولا يؤخر الحج، ولا العمرة. قياسًا على الحج وهو قول المصنف: [لزمه السعي فورًا] .
السعي: أي السير إلى تجهيز الراحلة، والزاد، وما إلى ذلك للذهاب إلى مكة في حج أو عمرة.