وقد دلّ على أن الأمر على الفورية، لا على التراخي أدلة:
أولها: المُصَحَّح عند الأصوليين: هو أن الأمر المُجرّد عن القرائن كـ (افعل) ونحوه يدل على الفورية لا على التراخي.
وقد دلت على ذلك دلائل:
منها مطلق الأمر بالمسارعة، والمسابقة في الخيرات. كما في قوله سبحانه: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} وقوله: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} والمسابقة والمسارعة فيها أمر بالفورية لا التراخي.
ومن الدلائل أيضًا: أن السَّيد لو أمر عبده بأن يعطِيَه شيئًا، فلم يفعله لكان مستحقًا للوم والعتب، من قبل سيده. وهذا متفق عليه عند أهل اللغة.
ومن الأدلة الدالة على الفورية: ما أخرجه الحاكم في [مستدركه] وصححه، ووافقه عليه الذهبي من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليَتعَجَّل) وهذا الحديث مُختلف في صحته، إلا أن له طرقًا وشواهد تشهد له، ولذا صححه بمجموع طُرُقِهِ عبد الحق. كما في كتابه [الأحكام] وأشار إلى صحته الشوكاني في [نيل الأوطار] وكذا جماعة.
ووجه دِلالته أن قوله: (فليتعجل) أمر بالتعجيل، والتعجيل يحتمل أحد أمرين:
إما أن يكون تعجيلًا مندوبًا إليه، وهذا معلوم بغيره قوله: (فليتعجل) فلا يكون إلا تعجيلًا واجبًا فوريًا، وهو المقصود هنا.
ومن الأدلة: ما أخرجه البيهقي في سننه، عن عَدِيّ بن عَدِيّ، أن عمر بن الخطاب ـ - رضي الله عنه - ـ قال:"والله لأبعثن إلى هذه الأمصار ليُنظر صاحب الجِدَه ـ يعني القوة ـ فمن لم يحج، لأكتُبّن عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين". وهذا الأثر صححه غير واحد، قال الحافظ في [التلخيص] :"أخرجه سعيد بن منصور وإسناده قوي"وفيه دِلالة على ضرب الجزية على من لم يذهب إلى الحج، من صاحب الجِدَةِ والقوة؛ وما ذلك إلا لأن الحج على الفورية وإلا لما ضَرب عليهم الجزية. ولما قال: (ما هم بمسلمِين، ما هم بمسلمين) . أما ضَرَبَان الجزية فيقول شيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] :"ليس المقصود أن يضربها على المسلمين؛ وإنما لأن أكثر هذه الأمصار كان الأصل فيهم الكفر، ثم أسلموا فمن لم يحج دل على أنه باقٍ على كفره، ومن حج دل على صحة إسلامه". فمن لم يحج أُبقيت عليه الجزية على كفره الأصلي.