وكذلك ما جاء عند النسائي، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، جاءه رجل فسأله عن أبيه أيَنُوب عنه في الحج، وهو كبير لا يستوي على راحلة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا كان عليه دَيْن أنت قاضِيه؟ قال: نعم، قال: فَدَين الله أحق بالوفاء) . يعني: الحج. والحديث صححه جماعة منهم النووي في [المجموع] والحافظ ابن حجر في [التلخيص] وشيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] وجماعة.
وفيه دِلالة أن الحج كالدَّين؛ من حيث أداؤه والوفاء به. فإذا لم يُؤت به من قِبل صاحبه فإنه يُؤتى من قِبل نائبٍ ينوب عنه، كإبن، أو بنت، أو غير ذلك ممن يُناب. ويدخل في حكم ذلك المريض، الذي لا يُرجى برؤه؛ لأنه كالكبير.
ولذلك يذكر بعض الفقهاء وجهًا نظريًا في تقرير ذلك، وهو أن الحج كالدَين، والدَين بين الأوَادِم واجب القضاء، فدين الله أحق بالقضاء؛ لأنه من جنس الدين فوجب. فإذا لم يُستطاع من قِبل الشخص، أقام من ينوب عنه بأن يأتي به. ثم إذا وجبت النِّيابة في ذلك فيجب أن يكون وفق شروط:
أولها: أن يكون النائب حُرًّا، سواء أكان رجلًا أو امرأة. وسبقت شرطية الحرية وسبقت أدلتها.
أما أن يكون النائب رجلًا عن رجل، فهذا دل عليه دليلان:
أما الأول: فدليل الخبر، وسبق حديث النسائي، وكذلك حديث الرجل الخثعمي، كما عند مسلم وغيره. حيث ناب فيه الابن عن أبيه، وفيه نيابةُ رجُلٍ عن رجل.
وأما الثاني: فالإجماع، وقد حكى الإجماع غير واحد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ حيث قال:"لا أعلم فيه اختلافًا"كما في [المجموع] .
وأما نيابة المرأة عن الرجل فقد دل عليها قصة الخثعمية، وهي مُخرّجة في [الصحيحين] من حديث ابن عباس، والفضل بن عباس ـ - رضي الله عنه - ـ حيث نابت فيها البنت عن أبيها الكبير، الذي لا يستوى على الراحلة.
قوله: [من بَلَدِه] .
هذا هو الشرط الثاني: أي من بلد المُستَنِيْب، فالمُستنيب الذي عجز عن أداء شعيرة العمرة، أو الحج، إما لِكِبَر أو مرض لا يُرجى برؤه، فإذا وَكّل غيره، بأن يأتي بشعيرة الحج والعمرة، فيجب في صحيح المذهب والذي عليه جماهيرهم، أن يأتي بشعيرة الحج والعمرة من بلد المُستنيب الذي وَكّل غيره.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
أما الدليل الأول: فهو ما أخرجه الطبري في [تفسيره] قال الحافظ في [التلخيص] :"إسناده قوي"عن علي بن أبي طالب ـ - رضي الله عنه - ـ أنه تلا قوله سبحانه: {وأتموا الحج والعمرة لله} قال:"تمامها هو أن تأتي بها"