أما الدليل الأول: فهو الخبر، وسبقت في ذلك أحاديث، منها حديث الخثعمية وغيرها.
وأما الدليل الثاني: فالإجماع في الجملة، إذ إن النائب إذا قام بشعيرة العمرة والحج على وجهها، بعد استنابةٍ صحت. إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في مسألة وهي:
إذا بَرِأَ المريض، بعد أن أُتِيَ بحجة وعمرة عنه، أو نَشِطَ المُسِن الكبير واستطاع أن يأتي بالعمرة والحج بنفسه، فهذه المسألة لها مَحَلاّن:
أما المحل الأول: فهو أن يَشرَع النائب في النُسُك، في نسك العمرة، أو في نسك الحج بالإحرام فيه. والإحرام: هو عقدُ النية على حج وعمرة، ومن ثَم التَّخلي عن محذورات الإحرام وما إلى ذلك. فإذا أَحْرم بذلك، فإنه حينئذ على المذهب مُجزِأٌ عن المستنيب ـ أي أن النائب ـ إذا أوقع الشعيرة بادئًا بإحرامها، قبَل أن يَسْلَم المريض، وقبل أن ينشط الكبير، فإن ذلك مُجزِأ عنه ـ أي مجزأ عن حِجه الإسلام، ومجزأ عن عمرة الإسلام. على القول بوجوبها وهو المذهب.
واختار شيخ الإسلام، والموفق في [المغني] أن ذلك غير مُجزأ، وأنه يجب عليه أن يأتي بحجة الإسلام وعمرة الإسلام؛ لأنه مُطالَب بإيقاعها بنفسه، فما دام أنه قد قَدُرَ على ذلك؛ فلا يُجزأه ما قام به غيره. ويكون ما قام به غيره نفلًا، وخيرًا له، وفضلًا يكسب أجره من جرَّاء ما قام به.
وهذا القول قوي وفيه احتياط.
وأما المحل الثاني: فهو أن يسلم المريض، وينشط الكبير قبل أن يباشر النائب أول النُسك ـ وهو الإحرام. فالمذهب والذي عليه جمهور الأصحاب، وقطع به أكثرهم، كما قاله في [الإنصاف] هو أن لا يُجزأ عن حجة الإسلام، ولا عمرة الإسلام؛ وذلك لأن المستنيب لا تصح إنابته؛ لأنه قد وقع منه ما وجب عليه، أن يباشر الشيء بنفسه، قبل وقوع أول الشعيرة وهو الإحرام. وقع منه بُرْأ مرضٍ، ووقع منه نشاط في كِبَرٍ، فحينئذ يجب عليه أن يأتي بالشعيرة. إذ إن الإنابة: حقيقتها هو مباشرة النُسك، قبل حصول البُرْأ من المرض، وقبل حصول النشاط من الكبر، أما وقد حصل النشاط، وحصل البُرأ، فإنه لا يجزء البتّة. وهذا هو المذهب، وعليه جمهور الفقهاء. كما حكاه النووي في [المجموع] .
ودليله كما سبق، دليل نظري، وهو قوي واضح جَلِي. إلا أنهم اختلفوا في هذا النائب ما العمل حينئذ. فهو أعني النائب يكون على حالتين:
أما الحالة الأولى: فهي أن يعلم قبل مباشرته للنسك، بُرأ المستنيب، ونشاط المستنيب فيرجع حينئذٍ من حيث أتى. ونفقةُ ذهابه، ومجيئه، على مُرْسِلِه، وهو المستنيب وهذا قول الجمهور ودلالته واضحة؛ لأنه هو الذي أرسله فيتكفل بنفقته.