وأما الحالة الثانية: فهو ألا يعلم بذلك فيستمر. وإستمراريته في ذلك تنقلب نفلًا للمستنيب على المُختار كما سبق.
قوله: [فلو مات قبل أن يستنيب وجب أن يُدفع من تركته لمن يحج ويعتمر عنه] .
حاصله ذكر مسألة: وهي إذا فرّط المرء في حجة الإسلام، وعمرته، حتى مات. فما هو المتُعَيِّن؟
المُتَعَيِّن: أن يُخرج من تركته مال ليُناب عنه في حجة الإسلام وعمرته.
ويدل على ذل. دليلان الخبر، والنظر:
أما دليل الخبر: فما أخرجه أبو داود في [سننه] من حديث ابن عباس وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله رجل عن أبٍ له مات، قبل أن يأتي بحجة الإسلام فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي عن أبيه. وفيه دلالة على تعيُّن القضاء عن الميّت الذي لم يأت بالحج والعمرة تفريطًا.
وأما الدليل الثاني: فهو قياس الحج على الدَّيْن. ومعلوم أن الدَّين واجبٌ إخراجه قبل الإِرث.
والدَّين نوعان:
دَيْنٌ لآدمِيِّ، ودين يتعلق بحقوق الله، ومن حقوق الله المتعلِقَة: الحج والعمرة، ويلد على أنه دَيْن، ما سبق من حديث النسائي: أن النبي T قال: (فَدَين الله أحق بالوفاء) . فسَمّى الحج دَيْنًا، فيدخل حينئذ في مطلق الدَّين الذي استُثنِيِ إخراجه قبل إخراج الإرث، هو والوصية. فتُخرَج حينئذ من تركته. يُخرج من تركته مال ثم يُستناب عنه، إما من ورثته أو من غير الورثة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ـ أعني جواز الاستنابة من الورثة. أن يُعطى مالًا ليقوم بالعمرة أو الحج.
قوله: [ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه حج عن غيره] .
هذا شرط ثالث يتعلق بالإستنابة: وهو أن يكون النائب قد حج واعتمر عن نفسه، فإذا لم يحج ولم يعتمر عن نفسه فلا تصح حجته ولا عمرته عن غيره، وتنقلب لنفسه.
ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود في [سننه] والنسائي وغيرهما: أن النبي T سمع رجلًا يقول:"لَبّيكَ عن شُبْرُمَه"فقال النبي T: ( من شُبْرُمَة؟) قال: أخٌ لي، أو قريب لي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (حُجّ عن نفسك ثم حُج عن شبرمة) .
والحديث صححه النووي في [المجموع] وكذلك الحافظ في [التلخيص] وجماعة. وفيه دلالة أن الحج يجب أن يُؤتى به عن النّفس أولًا، ثم عن المستنيب ثانيًا؛ إن كنت نائبًا عنه. وينقاس على الحج العمرة فهي كالحج.
قوله: [وتزيد الأنثى شرطًا سادسًا: وهو أن تجد لها زوجًا أو محرمًا مُكلفًا وتقدر على أجرته وعلى الزاد والراحلة لها وله] .