وأما الإحرام في الاصطلاح الشرعي: فالمذهب، والذي عليه عامة الأصحاب قاله في [الإنصاف] هو نية النُسك. ونية النسك، معناها: أن ينوي الإنسان النسك. أي نسك عمرة أو نسك حج. وهل المقصود هو أن ينوي الدخول فيه؟ أم أن يقصد النسك؟
قولان، والصحيح وعليه الأكثر، وبه جزم شيخ الإسلام وجماعة. أن المراد هو نية الدخول في النسك. وفرق بين المعنيين: فالمعنى الأول الذي هو نية النسك، معناه: أن يريد العبد نسك عمرة وحج، فإذا أراد النسك من عمرة وحج، حَرُم عليه أن يتلبَّس بمحظورات الإحرام، وأن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، فيحرم عليه هذان الأمران.
مثاله: رجل نوى حجًا وعمرة، أو قصد حجًا وعمرة متمتعًا في أشهر الحج، فبمجرد قصده يَحرُم عليه أن يأخذ شيئًا من محظورات الإحرام، أو أن يتجاوز الميقات.
وأما المعنى الثاني: وهو نية الدخول في النسك، فهو أخص من المعنى الأول، إذ إن الإنسان قد يقصد نُسكًا. ولكنه لا ينوي الدخول في النسك، وعمل النسك إلا بعد أيام أو بعد أشهر، أو بعد وقت يَقل ويطول.
مثاله: رجل قصد أن يأتِيَ بعمرة في شهر رمضان، وهو يُدَرِّس في مكة، فعندما ذهب يُدَرِّس، يجوز له أن يذهب عن الميقات، ويذهب إلى مكة مُدرِّسًا، ثم يعود إلى البلد الذي هو بعد الميقات، كالطائف مثلًا ـ لكنه لا يجوز له أن يتعدَّى الميقات إذا دخل في النُسك.
نية الدخول في النسك هل يُشترط أن يقترن معها قول أو عمل؟
قولان: اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ أن يُقترن مع النية قول، كالتلبية أو عملٍ، كَسُوقِ هَدْي قال:"فإذا لم يقترن مع النية قول، ولا عمل، فإن ذلك لا يوجب الدخول في النسك حقيقة". وهذا من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى الأول جمهور الأصحاب وعامتهم. على ما ذكره في [الإنصاف] .
قال المصنف ـ يرحمه الله ـ: [وهو واجب] .
يعني: الإحرام إذ هو ركن في نفسه ـ أي بنيته. ولكنه واجب أي يكون من الميقات، وأن يكون في زمن الحج، وأن يكون في المكان المؤقت شرعًا. ففرق حينئذ بين حكمين: بين حكم الإحرام نفسه في النسك. الذي هو نية الدخول في النسك، فهذا ركن ركين من أركان النسك، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله في أركان الحج.
وأما كون الإحرام واجبًا من الواجبات؛ بحيث يُؤتى به قبل تعدِّي الميقات، وأن يكون من الميقات، أو من منزل المرء، إذا كان دون الميقات فهذا من واجبات النسك، لا من أركانه على الصحيح. وسيأتي.