فهرس الكتاب
أما الأول: فدليل الخبر: وذلك أن (التَّفَث) الوارد في الآي الذي يفعله المحرم بعد نهاية إحرامه جاء تفسير عن جمعٍ من السلف بأنه حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وغير ذلك. وفيه دلالة أنهم عدُّوا شعر الإبط، وشعر العانة، وغيرهما، من التفث الذي يجوز فعله بعد الإحرام، مما يدلل أنه كان محذورًا، وقد جاء ذلك عن جمع. فقد أخرج ابن جرير الطبري في [تفسيره] ، وابن أبي شيبة في [مصنَّفه] عن ابن عباس ومجاهد نحوًا من ذلك. وكذلك أخرج ابن أبي شيبة في [مصنفه] عن محمد بن كعب أنه قال ذلك أيضًا، ولا يُعرف لهم مخالف من السلف ـ يرحمهم الله ـ أشار إليه ابن تيمية في [شرحه على العمدة] ـ أعني عدم وجود المخالف.
وأما الثاني: فالقياس، وهو قياس شعر البدن على شعر الرأس، بجامع وجود الشعر على البدن، فمن البدن الرأس، وهو اكثر ما يورده الأصحاب في التدليل على منع الأخذ من الشعر في بقية البدن.
وأما المحظور الثاني: فتقليم الأطفار و (الأظفار) واحدها: ظُفْرٌ وظُفْر. بضمتين، أو بتسكين الفاء مع ضم الأول، وهو معروف، سواءٌ أكان في أصابع اليدين، أم كان في أصابع القدمين، سواءٌ أكان في الأصابع العادية، أو في أصبع زائدة في الكف أو في القدم، فكل ذلك يتعلق به النهي والحظر.
وقد دلَّ على حظر ذلك دليلان:
أما الأول: فدليل الخبر، وهو ما جاء عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغيرهم. من أنهم عدوا من التحلل في تفسير التفث: تقليمُ الأظفار، مما يدل أنه كان ممنوعًا عند الإحرام.
ومن الأدلة: الإجماع، وقد حكى الإجماع في أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام، ابن المنذر كما في كتابه [الإجماع] ، وكذا حكاه شيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] بقوله:"وفيه إجماعٌ سابق"ـ يعني عن السلف يرحمهم الله ـ.
وها هنا مسألة: وهي إذا أُوذي المحرم بشعر أو ظفر، فهل يجوز له أن يقلعه أو أن يقصه؟
الصحيح في المذهب كما قاله المرداوي في [الإنصاف] وعليه تدل الأدلة: أنه يجوز له أن يقصه أو أن يقلعه، أي: ما أُوذي به من شعرٍ وظفر.
مثاله: محرم انقلم واحد من أظفاره في قدمه فأوجعه وآذاه في مشيه، فله حينئذ أن يقصه ويتخلص منه.
وقد حكى بعضهم على ذلك الاتفاق فيما ذكره في [الإنصاف] ، وكذا النووي في [المجموع] وجماعة.
وفي قول المصنف ـ يرحمه الله ـ: (ولو من الأنف) لو هنا: تشير إلى الخلاف بين الأصحاب، فيما لو أخذ المحرم من أنفه شيئًا من الشعرات، فإنه يدخل في المحذورية؛ لأن شعر الأنف من شعر البدن،