فهرس الكتاب
على العمدة]:"وهذا الذي كان عليه الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة، ولم يعملوا ذلك إلاَّ ببرهان بيَّنٍ عندهم".
وأما المسألة الثانية: فهي عدم صحة عقد النكاح إن عَقدْه محرمٌ لاثنين حلالين، أو لمحرمين، أو لمحرمٍ وحلال، وكذلك إذا عُقِد لمحرمٍ من قِبَل حلال، أو لمحرمين من قِبَل حلال. فإن العقد فاسد.
وهو ما أراده المصنف بقوله: (ولا يصح) إذ ضد الصحة الفساد، وما ذلك إلاَّ أنَّ النهي السابق في حديث عثمان يتعلَّق بالعقدِ نفسه، لا بصيغته، ولا بفاعله، والقاعدة الأصولية: أن النهي إذا تعلق بالشيء وكان ذا جهةٍ واحدةٍ عليه، فإنه يدل على فساده، وعدم صحته.
وقد دلّ على ذلك دليلان:
أما الأول: فما أُشير إليه سابقًا من آثار عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم حكموا بفساد عقد الزوجيَّة في الإحرام بصورة الثلاث السابقة.
وقد جاء بنحو ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما عند البيهقي في [السنن] ، وقد أخرجه مالك في [موطَّأه] عن عمر وابنه. يقول ابن تيميَّة ـ يرحمه الله ـ:"ولم يفعلوا ذلك إلا ببرهان بيِّن لا يشكون فيه، ولا يعرف لكبار الصحابة والخلفاء الراشدين مخالف في عهدهم ـ رضي الله عنهم ـ"هو كلامه.
والثاني: هو أنه لا فائدة من عقد النكاح حالة الإحرام؛ إذ المقصود به: تمتُّع الرجل بالمرأة والعكس، وهو أيضًا من دواعي المباشرة، فيُمنع.
وأما ما جاء في [الصحيح] من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد على ميمونة وهو حرام (وفي رواية: وهو محرم) . فالحديث سنده صحيح، إذ إنه في [الصحيح] . ولكن أكثر المحدثين الكبار وهَمَّوا ابن عباس.
ويُوجَّه حديث ابن عباس على أحد توجيهين:
أما الأول: فهو الترجيح، بأن يُرجَّح حديث ميمونة عند مسلم وغيره أنها قالت: (عَقَدَ عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حلال". وما يدل عليه وصاحب الشيء أدرى بحاله فيه، بخلاف من بَعُدَ عنه، وابن عباسٍ وقتها لم يجاوز العشر سنوات، وقد يهم من يكون في هذه السن. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ يرحمه الله ـ في [شرح على العمدة] أكثر من ستة أوجه في ترجيح حديث ميمونة على حديث ابن عباس رضي الله عنهم جميعًا."
وأما الثاني: فهو أن يُقال بالتسليم بحديث ابن عباس، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد على ميمونة وهو محرم؛ فيقال: هو من خصوصيات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس تشريعًا لعامة الأمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدخل عليه تلك المفاسد، من توقان النفس إلى مباشرةِ من عُقِد عليه، أو نحو ذلك فهو أملك الناس لأََرَبه (وإِرْبِه) - صلى الله عليه وسلم -.