الصفحة 74 من 118

وتُسَّمى بليلة عرفة؛ وذلك امتدادٌ ليوم عرفة؛ لإن الناس يُفيضون من عرفة إلى مزدلفة؛ ولإن ليلة النحر ومزذلفة هي وقتٌ للوقوف في عرفة كما سبق.

وقد دل على أن وقت الوقوف بعرفة هو ما سبق. حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبق، وهو حديث عبد الرحمن بن يَعمُر وفيه: (الحج عرفة فمن وقف بعرفةَ قبل طلوع فجر يوم الجَمْعِ فقد حجَّ) . وفيه دلالة على امتداده.

وفي روايةٍ عند أحمد صحيحة، في حديث صححه الدار قطني، والحاكم وقال: صحته على شرط أئمة الحديث كما في [المستدرك] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما رجلٍ وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا قبل صلاة الفجر ـ يعين بمزدلفة ـ فقد أتي بَنُسكِهِ وقضى تَفَثَه) وفيه دلالة واضحة على أن الوقوف يكون في نهار عرفة، ونهار عرفة يبتديء من طلوع فجر يوم عرفة، وكذلك يكون في ليل يوم عرفة، وليل يوم عرفة يُقصد به ليلة مزدلفة ليلة النحر التي يليها يوم النحر العاشر وهذا كله داخلٌ في الحديث السابق.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ: أن الوقوف بعرفة، يبتدئ بعد الزوال إلى طلوع فجر ليلة النحر بصلاة فجر مزدلفة.

واستدل على ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ إنه لم يقف بعرفة إلا بعد زوال الشمس وقال: ثبتَ عند مسلم من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خذوا عني مناسككم) . ففعله - صلى الله عليه وسلم - مُفسِّرٌ لقوله. فلزم الاهتداء بهديه والأخذ بِنُسكه، خصوصًا وقد وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - خارج عرفة حتى جاء الزوال، ثمَّ ذهب إلى عرفة. وإذا كان قبل الزوال وقتٌ لعرفة، كان الأولى المسابقة إلى ذلك المكان عبادةً وتذللًا لله عز وجل، فلمَّا أخرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك دلَّ على أن ما قبل الزوال بعرفة ليس وقتًا للوقوف بعرفة.

فهذان دليلان: دليل الخبر، ودليل النظر، يجتمعان في اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله.

وليُعلم أن المسألة فيها موطن إجماع، وموطن خلاف:

أمَّا موطن الإجماع: فهو أن الوقوف بعرفة من بعد الزوال إلى المغرب وقوفٌ صحيح بإجماع المسلمين، وقد حكى الإجماع في ذلك غير واحد. ومنهم ابن المنذر كما في كتابه [الإجماع] وكذا الموفق في كتابه [المغني] وجماعة.

وأمَّا امتداد الوقوف من بعد الغروب إلى طلوع فجر يوم النحر، فأجمع أهل العلم على ذلك. على ما حكاه ابن المنذر، وخالف في ذلك مالك على ما حُكي عنه.

وأمَّا ما قبل الزوال، فأكثر أهل العلم وجمهورهم كما قاله ابن حزم في [المحلي] والنووي في [المجموع] وجماعة هو: أنه ليس بوقتٍ للوقوف ـ أعني قبل الزوال ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت