الصفحة 8 من 118

أما الأول: فالخبر وذلك ما أخرجه البيهقي في [سننه الكبرى] وكذا غيره من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أيما صبي حج، ثم بلغ، فعليه حِجة أُخرى، وأيما عبد حج مع أهله، ثم أُعتق فعليه حجة أخرى) .

وهذا الحديث مختلفٌ في رفعه، ووقفه على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ والصحيح أنه مرفوع، وقد صححه مرفوعًا جماعة، ومنهم الحاكم في [مستدركه] وقال: على شرط الصحيح، ووافقه الذهبي، وكذلك صححه ابن حزم في كتابه [المحلى] ، وكذلك صححه البيهقي، والنووي في [المجموع شرح المهذب] وجماعة. ووجه الاستدلال به: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن العبد الرقيق إن حج مع أهله، لكنه بعد ذلك أُعتق، فعليه حجة إسلام يجب أن يأتي بها، إذ جاء في بعض روايات الحديث ذكر: (حجة الإسلام) . بدلًا من قوله: (حجة أخرى) . وهذا فيه دلالة واضحة على أن الحج لم يكن واجبًا عليه أصالةً، فلما عَتُقَ وجب عليه أن يأتي بالحج، وأن الحجة الأولى لم تقع حجة وجوبٍ وإسلام، فلزمه حينئذٍ أن يأتي بأخرى.

وأما الدليل الأخر: فالإجماع، وقد حكى الإجماع غير واحد من الأئمة، ومنهم ابن المنذر يرحمه الله كما في [الأوسط] ، وكذا ابن عبدالبر في [التمهيد] ، وكذا قاله الترميذي في [سننه وجامعه] ، وكذا قاله ابن رشد في [بداية المجتهد] ، والنووي في [المجموع شرح المهذب] ، وقال به الموفق في [المغني] لمّا حكى الشروط، ومنها كمال الحرية قال: ولا أعلم اختلافًا في هذه الجملة عند الأئمة.

فهذان دليلان يدلان على شرطية كمال الحرية، وهو الشرط الرابع من شروط وجوب الحج والعمرة.

قوله: [لكن يصحان ... . وعمرته] .

حقيقة ما ذكره المصنف يرحمه الله: أن الصغير والمجنون، وسبق أن الصغير هو من كان دون البلوغ، فيشمل المميز وغير المميز من الصبية والغلمان، وسبق أن المجنون هو من فقد عقله كليةً، وقسَّم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ المجنون إلى نوعين اثنين:

أما الأول: فما يُنعت بالجنون المُطبِق؛ وهو الذي فيه فقدٌ للعقل تام.

وأما الثاني: فما يُنعت بالعته المبُعض؛ الذي يأتي أحيانًا العقل فيُصيب المرء ما يُصيب اليقظ من إغماء.

ومثل هاتين الصورتين تدخلان في قول المصنف: [والمجنون] ، إلا أن الثانية: اختار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [شرحه على العمدة] : أنه في حكم المغمى. أي أن من أُصيب بالعته المُبعض الذي يأتي أحيانًا على العقل كصرعٍ يُفقد من خلاله العقل، أو مرضٍ يأتي على المرء يُفقد عقله أو نحو ذلك وقتًا ما، وزمنًا وحينًا ثم يعقل بعد ذلك، اختار شيخ الإسلام: أنه في حكم المغمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت