فصورة هذه المسألة: إذا كان الصبي قد أتى بالحجة وقت صباه، والمجنون قد أُتي له بحجةٍ، وحُمِل مع أهله ثم نُوي عنه في حجة ونحو ذلك، فيجزيء المجيء بالحجة من قبل هذين من حيث كون ذلك صحيحًا عنهما، أي تصح العبادة بالنيابة عن المجنون الذي أُصيب بالجنون المطبق، وكذلك تصح بالمجيء بها من قبل من أُصيب بجنون مبعض في المذهب إذا كان جنونه قد أتى في غير الركن، فإن غير الأركان يُدرك إما باللحاق في وقته، وإما المجيء بدم، حتى يُدرِك المرء ما فاته من واجب، وأما الصبي فإذا أتى بالحج، فإنه يصح.
ودلَّ على صحة ذلك دليلان:
أما الدليل الأول: فهو الخبر، حيث أخرج أبو بكر القُطيعي في [كتاب المناسك] عن ابن عباس ـ رضي عنهما ـ أنه أفتى بذلك، وأن الصبي الذي لمّا يحتلم بعد إن أتى بحجة وعمرة فهي صحيحة عنه، وكذا المجنون إن أُتي بحجة عنه، فإنها تصح مجزئة أو بالجنون المُبعض، وقد أخرجها كما ذكرنا القطيعي أبو بكر في [كتاب المناسك] وذكره الحافظ في كتابه [الفتح] وقال: إسناده حسن، وصحح سنده جماعة كذلك.
وقد جاءت الفُتيا كذلك عن قتادة، وعطاء، وأخرجه عنهما الإمام أحمد كما في [مسائل عبد الله ابنه له] ، وسندها على شرط الصحة.
وفي هذا دلالة واضحة على صحة ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ في [شرحه على العمدة] : ولا يُعرف مخالفٌ لهم من السلف ـ يعني عطاء، وقتادة، وقبلهما ابن عباس ـ رضي الله عن الجميع.
أما الدليل الثاني: فهو النظر: لإن الصبي، وكذلك من أوكل المجنون عنه يصح أن يكون من أهل العبادة بالصورة السابقة، ومن صح أن يكون من أهل العبادة في باب حجٍ، وعمرة ونحوهما، فإنه يكون الفعل صحيحًا، مجزئًا صحةً، ولا يجزئ عن حجة الإسلام كما سيأتي.
وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، إلا أن داود الظاهري قد خالف في ذلك، وكذلك حُكي الخلاف عن بعض المتأخرين فيما ذكره الموفق في كتابه [المغني] ، وكذا جماعة.
قوله: [ولا يجزئان عن حجة الإسلام وعمرته] .
صورة ذلك: أن الصبي إن أتى بحجةٍ وعمرة قبل بلوغة، وكذلك المجنون بصورتيه السابقتين، فإن ذلك وإن صح منهما لانطباقِ شرط العبادة عليهما، خصوصًا في باب الحج، والعمرة، فإنه لا يُسقط حجة الإسلام الواجبة عند بلوغ الصبي، وعند إفاقة المجنون، فلا بد حينئذٍ من المجيء بحجة الإسلام الواجبة عند بلوغ الصبي، وعند إفاقة المجنون، ولا تُسقط الحجة السابقة، هذه الحجة الواجبة.