الصفحة 82 من 118

وكون الإحرام من الميقات من واجبات الحج قد دلت عليه أدلة كثيرة سبقت ومن الدلائل النظرية: أنه قد تُرك لمن كان دون الميقات، أو أهل مكة أن يذهبوا إلى المواقيت المعروفة، وأن يُنشأ كلٌ منهم نية النسك من محله الذي هو فيه ـ أعني نية الحج ـ ولم يُشترط عليهم أن يذهبوا إلى الميقات مرة أخرى، وينشأوا نية الدخول في النسك منها. مما يدلل أن الإحرام من الميقات ليس ركنًا من أركان الحج بحيث لو تركه بعض الناس بطل حجه.

إذ إن أهل مكة ومن كان دون الميقات قد ترك هذا الشيء، مما يدلل على أن الإحرام من الميقات ليس ركنًا وإنما هو واجب، فلو كان ركنًا لوجب على الجميع فعله وتعيّن.

قوله: [والوقوف إلى الغروب لمن وقف نهارًا] .

الوقوف: يُقصد به البقاء بعرفة، ويُشترط لذلك شرط ذكره المصنف، وهو أن يقع الوقوف من المُحرِم في عرفة نهارًا. فلا بد حينئذ من أن يقرن الوقوف بالنهار بوقت من الليل، وأول الليل الغروب.

مثاله: رجل وقف في عرفة بعد صلاة العصر، فيلزمه أن يبقى حتى يدخل الليل، فإذا دخل أوله وهو الغروب، اجتمع وقوف له بالنهار مع أول الليل، ثم بعد ذلك يجوز له أن يدفع إلى مزدلفة.

وقد دل على أن ذلك واجب أدلة:

منها فعله - صلى الله عليه وسلم - إذ إنه قد وقف نهار عرفة، وجمع بين هذه الوقفة في النهار وبين جزء من الليل وهو الغروب، وقال: (لِتأخذوا عني مناسككم) والحديث في [مسلم] عن جابر. فخرج فعله - صلى الله عليه وسلم - تفسيرًا للمُجمل المنُبْهم فكان كحُكم قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) وحُكمه الأمر، والأصل في الأمر والوجوب.

وإنما لم يكن ركنًا لازمًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره، وسبق: (إذا وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا) فأطلق - صلى الله عليه وسلم - الوقفة بعرفة من ليل أو نهار، فمن وقف نهار عرفة ولو لم يجمع شيء من الليل، فإن وقفته مُجزأة ولكنه خالف الواجب، فيَجْبُر ذلك بدم. إلا إذا عاد بعد أن ذُكِّر أو تذكر أو استطاع في ليل يوم النحر وفي ليلة يوم النحر، المسماة بليلة مزدلفة، أو بليلة عرفة؛ فإنه حينئذ لا دم عليه، وقد سبق التوضيح والتدليل عليه.

قوله: [والمبيت ليلة النحر بمزدلفة إلى بعد نصف الليل]

المبيت: المقصود به البقاء والمكث، لا أن يضطجع الإنسان وينام، فليس شرطًا الاضطجاع والنوم بمزدلفة. وإنما عُبِّر بالغالب تعبير الدائم، فإن الغالب أنه يُضطجع في ليلة مزدلفة وينام الناس، ولكن من لم ينم فلا شيء عليه، إذ المقصود المُكث بمزدلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت