فهرس الكتاب
ولكن رواية: (السك) أقوى. والسك يقول ابن الأثير في [النهاية] :"هو نوع من أنواع الطيب". يعني الطيب الخفيف الذي ليس له رائحة قوية؛"فتعرق إحدانا فيسيل على وجهها، فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهها عن ذلك". وفيه دلالة واضحة على استعمال النساء للطيب.
أما الثانية: فهو أن تخالط الرجال؛ فحينئذ تُمنع من التطيب؛ لأنه يُهيج الشهوة والأصل أن المرأة لا يجوز أن تظهر الطيب للرجال؛ لحديث أبي هريرة وهو في [المسند] وهو حسن: (أيما امرأة استعطرت فمرت برجال فهي زانية ـ يُشم ريحها فهي زانية) وفي الحديث كلام، لكنه أصلٌ متفق عليه وله آثار وأدلة.
ثالث السنن: هو أن يُحرم الإنسان بعد صلاة، وقد وردت في ذلك أحاديث عدة منها حديث ابن عمر عند مسلم، وحديث أنس، وابن عباس عند مسلم، وفيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم:"أحرم بعد صلاة". قال شمس الدين ابن القيم في [الهدي] :"لا يصح خبر في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بعد نافلة وإنما أحرم بعد مكتوبة". يعني فريضة. واختار شيخ الإسلام أنها صلاة الظهر، وجاء بذلك الحديث عن ابن عباس عند أحمد وغيره وهو صحيح، وحينئذٍ يُشرع للمرء أن يحرم بعد صلاة. والصلاة نوعان:
النوع الأول: إما أن تكون فريضة والنبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بعد فريضة.
النوع الثاني: وإما أن تكون نافلة.
والمذهب والذي عليه جماهير الأصحاب، أن المستحب هو الإحرام بعد صلاة مطلقًا، ولو أن الإنسان صلى في وقت نهي، فليست من ذوات الأسباب التي يصح إيقاعها في وقت النهي ـ أعني ركعتين للإحرام بعدها بالنسك ـ فإن كانت الفريضة قد فات الإنسان وقتها فإما أن يكون الوقت وقت نهي، أو يكون غير وقت نهي، فإن كان غير وقت نهي جوز جماهير الأصحاب، إحداث صلاة نفل للإحرام بعدها، وإن كان وقت نهي فلا يجوز إيقاع نافلة للإحرام بعدها؛ لأنها ليست من ذوات الأسباب، واختار تقي الدين ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ كما في [المجموع] : أنه ليس في الإحرام صلاة تخصه وإنما يحرم بعد صلاة، فإن وافق المرء فريضة أحرم وإن تنفل بذات سبب أحرم. من ذوات الأسباب كركعتي الوضوء، وتحية المسجد، ونحو ذلك، ويُأخذ من ذلك أن الإنسان إذا مر بالميقات، وكان الوقت وقت نهي، ثم أراد أن يصلي في المسجد هناك ركعتي الوضوء، بعد وضوءٍ، فإنه يجوز له إيقاع ذوات السبب في وقت النهي على اختيار شيخ الإسلام وجماعة.
ورابع السنن: هو عقد النية بعد الصلاة، والتلبية من فوق الراحلة، وقد وردت في ذلك أحاديث عدة، كحديث ابن عمر عند مسلم:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم دبر الصلاة"وثبت عند مسلم، من حديث ابن عمر، وأنس وابن عباس (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بالنسك من فوق راحلته، وهي قائمة) . قال شيخ الإسلام في [شرح العمدة] :"يجمع بين الأخبار بأن يقال: النية تُعقد بعد الصلاة ودبرها، وأما التلبية"