الصفحة 91 من 118

بالنسك فيكون من فوق الراحلة"وهذا الجمع، هو الذي تدل عليه النصوص، ويجمع بينها، فهي سُنتان:"

الأولى: عقد نية النسك من عمرة أو حج دبر الصلاة، وجمهور الأصحاب على أنها تكون وقت كونه مستقبل القبلة، جالسًا، مُنتهيًا من صلاته، حتى يوافق خشوعًا يسكن فيه الفؤاد، ويَتُمَّ العقد بحضور الفؤاد ـ أي عقد النية.

وأما الثانية: فهو الإهلال من فوق الراحلة، ومعناها: التلبية بالنسك من فوق الراحلة، وفي حديث ابن عمر:"وهي قائمة". ذكر جمعٌ من الأصحاب أن فيه دلالة أن الإهلال يكون عند تهيئُ الراحلة للانطلاق؛ لأن الراحلة من النياق والإبل، عندما تنهض من جلوسها تكون مائلة منخفضة، فعندما تقوم على أرجلها الأربع تكون قائمة مستوية، وإذا قامت واستوت تهيئة للانطلاق، فخصص بعضهم أن يكون الإهلال عند تهيئ الراحلة للانطلاق لا إذا رُكِبَت فحسب؛ لأن رُكوبها قد يكون وهي باركة، قد يكون وهي بين القيام والبروك، حالة الانخفاض، وقد يكون قبل تهيئها للانطلاق وما ذهب إليه أولئك الأصحاب، قويٌ من حيث الدلالة اللغوية؛ لحديث ابن عمر، وقد ثبت في مسلم، أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يركب راحلته، حتى تستوي قائمة ثم يُهِلُّ من تحت شجرة، ويقول:

"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل هكذا، ويُهِلُّ هكذا، ومن تحت هذه الشجرة". هناك موضع في ذي الحليفة يسمى بموضع الشجرة والمسجد، الآن يمسى بمسجد الشجرة به. فكان ابن عمر يُهِلُّ من هناك، ويذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل منه.

خامس الأعمال المشروعة: وفي استحبابها نظر: هي التنظف بأخذ شعر الإبط، والاستحداد، وتسريح الشعر المشعث، وتقليم الأظفار، وقص الشارب. والمذهب مشروعية ذلك، ويُستدَلُ له بدليلين:

أما الأول: فما أخرجه سعيد بن منصور عن إبراهيم أنه قال:"كانوا يستحبون إزالة شعر العانة، والإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، عند الإحرام".

وأما الثاني: فهو أن الإحرام مِظِنَة الاختلاط بالناس، وما كان كذلك أُستحب له النظافة؛ حتى لا تنبعث الروائح الكريهة؛ وكذلك لأن العبادات يُستحبُ في جنسها التنظيف وهذا منه؛ وكذلك حتى لا يحتاج المحرم إلى إزالة شعر يؤذيه يطول عليه وقت إحرامه، إن طال وقت إحرامه؛ وكذلك يقال في قَلْم الأظفار وفي قص الشارب. واختار تقي الدين ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ أن الأمور السابقة من الإستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، هي مُستحبة في أصلها لا لأجل الإحرام، وهو اختيار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت