فهرس الكتاب
في ذلك: وهي مزيدُ نظافة؛ لأن مخالطة الناس في المسجد الحرام أكثر، فلا تنبعث الروائح المزعجة الكريهة؛ ومنها تنشيط المحرم أكثر، فإن مرور الماء على الجسد تطهرًا وتنظيفًا ينشطه ويقويه.
وثالثها: هو دخول مكة من أعلاها لا من أسفلها، فقد ثبت في [الصحيح] من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم مكة دخلها من أعلاها، لا من أسفلها". قال تقي الدين ابن تيمية كما في [المجموع] :"من أي جهة دخل الإنسان مكة جاز، والأفضل أن يدخلها من أعلاها لا من أسفلها ومن وجه الكعبة ـ وجه الكعبة من جهة الباب: باب الكعبة فالبيت وجهة من جهة بابه فكذلك الكعبة، وهو بيت ـ وفي النهار لا في الليل"انتهى كلامه. وفي دلالة على ما سبق وتأكيد له.
ورابعها: هو دخول مكة نهارًا، لا ليلًا وهو الثابت في حديث ابن عمر في [الصحيحين] :"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبيت بذي طوى، ثم يصبح فيدخل مكة". وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة بالنهار في أوله.
يتعلق بدخول مكة جملةَ أعمالٍ مشروعةٍ، وسنن، ذُكر كثير منها وبقي سُنتان مشروعتان:
أما الأولى: فهو دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة. فقد ثبت في [صحيح مسلم] من حديث جابر أنه قال:"فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عند طلوع الشمس، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ثم دخل".
وفي ذلك أحاديث وآثار عدة وقال في [الإنصاف] :"بلا نزاع نعلمه". يعني: في استحباب دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة. وباب بني شيبة يسمى اليوم: بباب السلام. وهو يجعل الداخل منه، يخرج على الكعبة على بابها، ما بين زمزم والمقام. وفيه دخولٌ إلى البيوت من أبوابها. والمرء إذا قصد بيتًا أتاه من وجهه. وإذا أتى مَلِكًا أَمّ بابه واستلم وقَبّل يمينه. وأفضل جهات البيت، جهةُ بابه ففيها يمينه: وهو الحجر الأسود. وجاء في الأخبار أن الحجرَ الأسود يمين الله في الأرض. وليس هناك مشقة في الاستدارةِ حول المسجد الحرام، للدخول من باب بني شيبة، ولذلك أُتُفِق في الجملة على الدخول من خلاله. والأصل كما سبق هو المجيء من أعلى مكة من ثَنِية كَدَاء ـ بفتحات ومدٍ آخرها همزة ـ إذا إنه طريق ما بين جبلين، والطريق يسمى بطريقِ الحَجُون ـ بفتح الحاء المهملة وضم
الجيم ـ إذ إن الآتي منه يُشرف على مقبرة أهل مكة، ثم بعد ذلك ينزل إلى أن يصل إلى المسجد الحرام، فيواجهه بعد ذلك باب بني شيبة، المسمى اليوم بباب السلام ثم يخرج بعدها من أسفل مكة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة كُدَي ـ بضم الكاف وفتح الدال المعجمة آخرها ياء ـ فقد ثبت من حديث عائشة وسبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة من أعلاها، وخرج من أسفلها.
وأما الثانية: فهو التكبيرُ والدعاء عند رؤيةِ الكعبة.