والذراعين، شتن الكفين والقدمين رحب الراحة مسيح القدمين منهوس العقب عظيم الجمة أشعر اليدين خافض الطرف.
وهناك أوصاف أخرى تنقل إلينا سلوكه في مشيه وجلوسه واتكائه وضحكه وكلامه، وكيف كان يأكل ويشرب وينام، تستقصي كل هيئاته في الحركة والسكون، لا يمكن تتبعها لأنها تؤلف موضوعا آخر كبيرا مستقلا، جديرا بدراسة خاصة تكشف ما فيها من فوائد لغوية واجتماعية ودينية.
والتمعن في هذه الأوصاف والنعوت، يتيح للمرء أن يتشخص الذات الشريفة ويتنزه فيها ببصيرته على نحو ما يفصح عنه «الإمام البوصيري» بقوله:
(فتنزه في ذاته ومعانيه استماعا إن عز منها اجتلاء) .
وهو كذلك يقر بنا من ذلك الأمل الغالي، الذي تمناه هذا المادح على ممدوحه الكريم بقوله: (ليته خصني برؤية وجه زال عن كل من رآه الشقاء) ..
إلا أننا إذا بحثنا الأمر بشيء من التعميم، وجدنا أن الاهتمام بصفات الإنسان وشياته البدنية والخلقية لأغراض متعددة عام شائع تناوله العلماء على اختلاف تخصصاتهم من قديم، وصار يؤلف قسما من علم الفراسة، الذي يسعى إلى معرفة باطن الإنسان من ظاهره، والتجسس على المكنون من طباعه بالمنظور من شياته.
وقد تطور في العصور الأخيرة إلى فروع متشعبه، واهتم به علماء «الفن» و «الاجتماع» و «علم الأجناس» ، واهتم به كذلك «علماء الإجرام» ، الذين أرادوا أن يتوصلوا به إلى معرفة المجرمين من الناس بطبعهم، ويضعوا لذلك ضوابط عامة مطردة.
فقد رووا عن «أبقراط» (أبي الطب) من قديم أنه كان يقول بأثر العوارض الخارجية في أخلاق الناس وظهور ذلك في ملامحهم (10) .
وتناول الفكرة غيره ممن جاء بعده من فلاسفة اليونان، وظهرت «الفراسة» علما مستقلا بما كتبه «أرسطو» في القرن الرابع قبل الميلاد،