فهرس الكتاب
عن الحسن بن محمد الهاشمي عن محمد بن السماك قال: كنت أطوف أطلب العباد والزهاد فذكر لي رجل بعبادان قد رفض الدنيا وأقبل على الآخرة جدًا واجتهادًا فأتيت عبادان فسألت عنه فوصف لي داره فأتيت إلى باب دار كبيرة ليس عليها إلا باب بمصراع صغير فقرعت الباب فخرجت إلي جارية خماسية فقالت: من الطارق بالباب؟ قلت: أنا يا جارية، هذا منزل فلان العابد؟ قالت: نعم، قلت لها: استأذني عليه فإن أنا دخلت عليه وهبت لك درهمًا! فقالت: يا عبد الله ما رأيت أحدًا هو أجهل منك أدخل فما على أبي من حاجب وإنما الحجاب على أبواب الملوك وأبناء الملوك فبهت متعجبًا من قولها، ثم دخلَت ودخلتُ معها، وإذا دار قوراء ليس فيها إلا بيت صغير فدخلت البيت فإذا أنا برجل قد نحل من غير سقم وقد احتفر قبرًا عند رجليه وقد دلى رجليه فيه وفي يده خوص يشقه وهو يتلو هذه الآية: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) بصوت حزين فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: أمن إخواني أنت؟ قلت: نعم، ولست من أهل البصرة ولا من أهل عبادان؛ قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: فما اسمك؟ قلت: محمد بن السماك، قال: لعلك الواعظ، قلت: نعم؛ قال: فأخذ يدي بيديه جميعًا ثم قال لي: مرحبًا وحياك الله يا أخي بالسلام ومتعنا واياك في الدنيا بالإخوان؛ يا أخي ما زالت نفسي متطلعة إلى لقائك تحب أن تعرض داءها على دواءك، أُعْلمك يا أخي أن بي جرحًا قديمًا قد أعيي المعالجين قبلك فتأتاه برفقك وألصق عليه ما تعلم انه يلائمه من مراهمك؛ قال: فعلمت أن الرجل يريد أن أعظه فقلت: يا أخي وهل يداوي مثلي مثلك وجرحي أنغل من جرحك وذنبي أعظم من ذنبك؟! فقال: سألتك بالله إلا ما وعظتني فقلت له: يا أخي قد عملت أن ذنبك الذي أذنبت لم يمح وأن لذاذتك لم تبق وأن الموت يطلبك صباحًا ومساءً وأنك تصير غدًا إلى ضيق اللحود وظلمة القبور