الصفحة 92 من 129

(المبحث الرابع)

ذكر عقوبة من عصى وكذب واستكبر، وما تبع ذلك من ذكر أحوال أصحاب الجنة

، وأحوال أصحاب النار ونداآت كل للآخر.

وهذا القسم مكون من سبع عشرة آية، وتبدأ من قوله تعالى: (( فمن أظلم ممن

افترى على الله كذبًا ... (37 ) ) )، وتنتهي عند قوله تعالى: (( ... قد خسروا أنفسهم

.(( (وضل عنهم ما كانوا يفترون (53

و تكويناته الجزئية قائمة على النحو الآتي:

الأول: في حالة المكذبين بالكتاب عند قبض أرواحهم ودخولهم النار، وعن

الحوارات التي دارت بين كبرائهم، وضعفائهم فيها.

و الجزء الثاني: عن حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة، ومنادا. م لأهل

النار.

والثالث: عن حال رجال الأعراف، ومنادا. م لأهل الجنة، وأهل النار.

ثم الرابع: وهو الأخير فهو عودة مرة أخرى إلى أصحاب النار ومنادا. م لأهل الجنة

، وتشنيع الآيات عليهم، وذمها لهم، و. ديدها لكفار قريش وللمكذبين، وتبين حالتهم

في الآخرة مرة أخرى.

ونبدأ بالحديث عن الجزئية الأولى وعن بنائها البلاغي من هذا القسم، وهي عن

حال المكذبين بالكتاب، وقد تفرع هذا الجزء من المعنى من قوله تعالى في الآية الأخيرة من

القسم السابق: (( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها

خالدون )) ، وكأن هذه الآية استطراد في الحديث عن جرم هؤلاء المكذبين، وغضب

الجبار عليهم بما استوجبوه من افتراء الكذب على ذاته العظيمة، وآياته الفخيمة، وقد

جاء هذا المعنى في صورة استفهام إنكاري (( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب

بآياته )) والمعنى؛ لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، أي: ليس في الظلم ظلم أظلم

من الذي افترى، أو كذب بآياته، والآية تسوي بين أمرين متباعدين: الذي افترى على

الله كذبًا، وقال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء، والذي كذب بالآيات، وهنا إلحاق

للمكذبين بأهل الجرم الأعظم، وهو الافتراء والاجتراء على الله، والكذب عليه

.(سبحانه(1

وفي تقديم الإنكار والتقريع على افترائهم الكذب على الذات العظيمة قبل

.)التكذيب بالآيات عظيم جراءة وعظيم إجرام، وربما لأجله أظهر لفظ الجلالة

)في موضع الإضمار، ولذلك جاء الاستئناف باسم الإشارة (أولئك) للإشارة إلى

بعدهم عن حضرة من اجترءوا عليه تعالى، لبعدهم في الجراءة عليه، ولأ. م يستحقون ما

يأتي بعد اسم الإشارة بسبب الأوصاف التي ذكروا. ا قبله، وهي راجعة إلى قوله:

(( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا. ا ) )، وإلى قوله: (( وأن

تقولوا على الله مالا تعلمون )) .

: (وجملة(( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) )جاءت كالجواب عن سؤال (2

ما جزاؤهم؟ فقيل: (( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) )، فهي استئناف بياني.

وهي راجعة إلى قوله قبل: (( ولكل أمة أجل ) ).

وجاء الفعل (( يتوفو. م ) )مضارعًا دون الماضي من قوله: حتى إذا جاء. م رسلنا

يتوفو. م )) ؛ لإحضار صور تعذيبهم في الأذهان، وفيه تطويل لزمن الترع وإغراق في

التعذيب.

وعبر عن اعترافهم بظلمهم أنفسهم بالشهادة مجازًا (3) في قوله: (( وشهدوا على

أنفسهم أ. م كانوا كافرين )) ، وجاء مؤكدًا لتصوير ما حملته الشهادة من حرقة الحسرة

ثم نتج عن هذا الاعتراف وعن تلك الشهادة عقوبة الدخول في النار، مع أمم

المكذبين من الجن والإنس، لأن شهاد. م كانت اعترافًا، فكأنه قيل: هل ينفعهم

اعترافهم؟ فأجيب (4) : (( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في

. (النار ) ) ، وقدم الجن على الإنس، لأ. م أصل الإغواء(4

1)من إضافة الأستاذ المشرف / د. محمد أبو موسى.

.2) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 114

3)ينظر روح المعاني ج 8 ص 17

4)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت