الصفحة 93 من 129

ثم اقتضى هذا الانضمام الملتئم في النار ا. امات ومخاصمات كلامية، هي امتداد

لتلك الاعترافات وإتمام لتلك الشهادة، التي بدأت عند قبض أرواحهم، لكنها الآن

متبادلة على ألسنة المكذبين أنفسهم بين بعضهم البعض وسط النيران و العذاب، وفيها

استجلاء لمدى ازدياد تلك الحسرات والأحزان على إثرها (( كلما دخلت أمة لعنت

أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعًا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآ. م عذابًا

ضعفًا من النار قال لك ٍ ل ضع. ف ولكن لا تعلمون )) .

ويلاحظ أن الفعل في قوله: (( إذا اداركوا ) )جاء بإدغام التاء (1) في الدال للدلالة

على المزاحمة والانكباب بشدة على غير ترتيب.

وكان كأنه سئل فماذا قيل لهم؟ فجاء الجواب: (( قال لك ٍ ل ضع. ف ولكن لا

تعلمون )) ، لأن الضعفاء كانوا سببًا في تمادي الكبراء فسينالون مثلما يناله الكبراء من

المضاعفات بمرور الأيام والسنين (1) . وفي هذا الجواب (( قال لك ٍ ل ضع. ف ) )إشارة إلى أنه

لا يجوز لذي عقل أن يقلد ويتبع الآخر مهما كانت مترلته، وإنما الواجب أن يقوده عقله

.(لا عقل غيره (2

ثم انتقل الحديث إلى ردة فعل متوقعة من الكبراء بناءً على خصام ضعفائهم

إياهم (( وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما

كنتم تكسبون )) ، وهو معطوف على سلام الآخرين للأولين (1) . وقد جاءت في صورة

مقابلة بين كلامهم وكلام الضعفاء.

ثم اعقبت الآية متابعة الوعيد لأهل النار، بناء على مخاصما. م تلك في الآية

السابقة، وكأنه سئل أما لهؤلاء خلاص؟ فجاء الجواب: (( إن الذين كذبوا بآياتنا

واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في س. م

ا. لخياط وكذلك نجزي ا. رمين )) ، وهنا أظهر في موضع الإضمار للتعميم، ولتعليق

الحكم بالوصف، وقال الطاهر: لئلا يوهم الضمير عودته إلى إحدى الطائفتين

.(المتحاورتين في النار(3

.1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 32

2)من إضافة الأستاذ المشرف / د. محمد أبو موسى.

3.) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 126

وأكد بأن وبحتى الغائية إلى شيء مستحيل ولا يكون؛ وهو دخول الجمل في ثقب

الإبرة.

والمقابلة بين (( لا تفتح لهم أبواب السماء ) )، وهذا في ا لدنيا(أي: لصعود

أعمالهم، ولا دعائهم، ولا أرواحهم، ولا لترول البركات عليهم.) (1) وبين قوله: (( ولا

يدخلون الجنة )) (وهو إخبار عن حالتهم في الآخرة) (2) ، وقد وضعتا في تقسيم متبادل

متناسق. وقوله: (( وكذلك نجزي ا. رمين ) )(أي: ومثل ذلك الجزاء. ذا العذاب،

. (وهو أن دخولهم الجنة محال عادة) (2

ودلت الواو على عقوبات أخرى، لأ. ا قالت وكذلك، أي: مثل ذلك الجزاء

.(نجزي ا. رمين، فأشارت إلى أنه ليس هو الجزاء المتفرد، وإنما يقع عليهم مثله (3

ونتأمل رأس الآية: (( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب

السماء ... )) جاء من الآية قبل في الآية الأخيرة من القسم السابق: (( والذين كذبوا

بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )) .

ونرى كيف تتابع امتداد هذه الآية، وتف. صل معناها، وتنامى وتفرق، ثم اجتمع

والتأم مرة أخرى آخرًا.

و. بني على قوله تعالى: (( وكذلك نجزي ا. رمين ) )أم. ر؛ إذ كأنه لما ُفهم أنه لا

خروج لهم من النار، تناولت الآية التالية التفصيل في طريقة عيشهم في تلك الحياة

الأبدية في الجحيم، فجاء قوله تعالى: (( لهم من جهنم مها. د ومن فوقهم غوا ٍ ش

وكذلك نجزي الظالمين )) ممتدًا من الآية السابقة، وكأن هذه الآية كذلك تفصيل لقوله:

(( وكذلك نجزي ا. رمين ) )، فمن صنوف عذاب ا. رمين، (( لهم من جهنم مها. د ومن

فوقهم غوا ٍ ش )) . فانظر كيف كونت هذه الفاصلة: (( وكذلك نجزي ا. رمين ) )بواوها

التي آذنت بصنوف من العذاب جديدة، كونت جسرًا مباشرًا إلى جهنم!، ثم في جهنم

مقابلة. كمية من تطلع أهلها إلى الراحة بالفرش والغطاء، فإذا هم يجدو. ا فيها، لكنها

من النيران، وجمع (( غواش ) )لتهويل لتلك الفرش والأغطية.

.1) نظم الدرر ج 3 ص 33

.2) التحرير والتنوير ج 9 ص 126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت