الصفحة 107 من 530

يؤدِّ زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يطوق به يوم القيامة، ثُمَّ يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنْزك )) ؛ متَّفق عليه [1] .

ولا يخفى ما مَنَّ الله به على عباده من نعمة المال، ولا سيما في هذا الزَّمن الذي تكاثرت فيه المصالح والخيرات، واتَّسعت فيه أسباب الرِّزق، وتضخمت فيه أموالُ كثيرٍ من الناس، وما الأموالُ إلا ودائع في أيدي الأغنياء، وفتنة وامتحان لهم من الله؛ لينظرَ أيشكرون أم يكفرون؟

ومن شُكرها وقَيْدِ النعمة: أداءُ زكاتها، والصَّدقة على الفقراء والمساكين، والإنفاق مما استخلفهم الله فيه؛ قال - تعالى: {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] ، ومن الحكمة في تشريع الزَّكاة: مواساة الأغنياء لإخوانهم الفُقراء، فلو قام الأغنياء بهذه الفريضة حقَّ القيام، وصرفوا الزكاة مصرفها الشرعي، لحصل للفقراء والمساكين ما يكفيهم، ولا يَحتاجون معه إلى غيره.

أمَّا إذا منع الأغنياء ما أوجب الله عليهم من فريضة الزكاة، فإنه ينشأ من هذا أضرار ومفاسد كثيرة، من تعريض العبد نفسَه للعذاب العظيم، وكراهة الله والناس له، وتسبب لإهلاك المال وانتزاع البَرَكة منه؛ ففي الحديث: (( ما خالطت الزَّكاة مالًا قطُّ إلا أهلكته ) ) [2] ، ومن ظلم للفقراء والمساكين وإيصال الضرر إليهم، ودعوة لهم إلى ارتكاب شتَّى الحيل في الحصول على لقمة العيش، والتعرُّض للوقوف في المواقف الحرجة، والإلحاح في السُّؤال؛ بل ربَّما اضطرتهم فاقتُهم وشِدَّة الحاجة إلى السَّرقة والإقدام على بعض الجرائم؛ لما يقاسونه من آلام الفقر والمسكنة، التي لو أحسَّ بها الغنيُّ يومًا من الدهر، لتغيرت نظرته إليهم، ولعَرَف عظيم نعمة الله عليه.

وإذا كان في الزَّكاة مصلحةٌ للفقراء والمساكين، وبهم ضرورة إليها، فإنَّ فيها مصلحة لأرباب الأموال، وبهم ضرورة إلى أدائها من تطهيرٍ وتزكية لهم، وبُعد عن البخل المذموم، وقرب من فعل الكرم والجود، واستجلاب للبركة والزِّيادة والنَّماء، وحفظ للمال ودفع للشرور عنه؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (( من أدَّى زكاة ماله، فقد ذهب عنه شرُّه ) )؛ رواه الطبراني، وابن خزيمة في صحيحه، وعن أنس - رضي الله عنه - قال:"أتى رجل من تميم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنِّي ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع؟ وكيف أنفق؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( تخرج الزَّكاة من مالك، فإنَّها طُهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حقَّ المسكين والجار والسائل ) )"؛ رواه أحمد.

وعن الحسن - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( حصِّنوا أموالكم بالزَّكاة، وداووا مرضاكم بالصَّدقة، واستقبلوا أمواجَ البلاء بالدُّعاء والتضرُّع ) )؛ رواه أبو داود في"المراسيل"- وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو لمن جاء بالزَّكاة، فتارة يقول: (( اللهم بارك له ) )، وتارة يقول: (( اللهم صلِّ عليه ) ) [3] .

هذا؛ ولقد تولَّى الله قسمة الزكاة بنفسه، وجزَّأها إلى ثمانية أجزاء، أمَّا الأشياء التي تجب فيها الزكاة، فهي أربعة أصناف:

1 -الخارج من الأرض كالحبوب والثمار.

2 -وبهيمة الأنعام.

3 -وعروض التِّجارة.

4 -والذهب والفضة.

وقد تجب في غيرهنَّ، ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصابٌ محدَّد، لا تجب الزكاة فيما دونه، فنصابُ الحبوب والثِّمار خمسة أَوْسُقٍ، وأدنى نصاب الغنم أربعون شاةً، وأدنى نصاب الإبل خمسٌ، وأدنى نصاب البقر ثلاثون، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، فإذا ملك الإنسان نصابًا من الذَّهب، وقدرُه أَحَدَ عَشَرَ جنيهًا ونصف جنيه تقريبًا من الجنيهات السُّعودية، ومثله من الجنيه الإفرنجي، أو ملك نصابًا من الفِضَّة، وقدره ستة وخمسون ريالًا عربيًّا تقريبًا، وحال عليه الحول - وجبت فيه الزَّكاة ربع العشر.

وكذلك الأوراق التي كَثُرَت في أيدي الناس، وصار التعامُل بها أكثر من غيرها، فإذا ملك الإنسان منها ما يقابل نصابًا من الفضة، وحال عليها الحول، فإنَّه يُخرج منها زكاتَها ربعَ عُشْرِها، أمَّا العُرُوض - وهي ما اشتراها الإنسان للربح - فإنها تُقوَّم في آخر العام ويخرج ربع عشر قيمتها.

(1) المصدر السابق، ص61.

(2) رواه البزار والبيهقي بلفظ: (( إلا أفسدته ) )،"الترغيب والترهيب"، 2/ 63.

(3) عن عبدالله بن أبي أوفى قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: (( اللهم صلِّ عليهم ) )، فأتاه أبي بصدقته، فقال: (( اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى ) )"؛ متفق عليه؛"بستان الأخبار مختصر نيل الأوطار"، 1/ 494.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت