الصفحة 173 من 530

(( الدين النصيحة ... ) )إلى آخره [1] ، وقد أمر الله بالتذكير، وأخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين؛ قال - تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] ، وقال - تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ} [إبراهيم: 5] ، وهذا يشمل التذكيرَ بالنصوص القرآنية وصِحَاح الأحاديث النبوية المشتملة على الأمر بطاعته - سبحانه وتعالى - وطاعة رسله، والتحذير من معصيته ومعصية رسله، وبيان ما في امتثال أوامره وترك زواجره من حصول الخيرات، وحلول البركات، واندفاع النقمات، وما في معصيته - تعالى - ومخالفة أمره من مَحْقِ البركات، في العلوم والأعمال والأعمار والمكاسب وجميع التصرُّفات، ويشمل أيضًا التذكير بأيام الله - تعالى - في خلقه، وما أحلَّ بِمَن عَصَوْا رسلَه من المَثُلات، وسائر ألوان الأخذ والعقوبات، مما يكون من أعظم واعظ لِمَن في قلبه أدنى حياة.

إذا عُرِف ذلك، فإن المعاصي هي أسباب كل نقص وشر وفساد، في الأديان والبلاد والمعاد؛ كما قال - تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] ، فما أهبط الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب إلا معصيتُهما بأكلهما لقمة من الشجرة التي نُهِيَا عن الأكل منها، وما أخرج إبليسَ من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع - غيرُ معصيته بامتناعه من سجدة واحدة أُمِر أن يسجدها، وما الذي أغرق أهل الأرض كلَّهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟! وما الذي سلَّط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟! وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ثم قلبها عليهم وأُتْبِعوا بحجارة من سجيل؟! وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظُّلَل، فلمَّا صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظَّى؟! وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى نار جهنم، فأبدانهم للغرق، وأرواحهم للنار والحرق [2] - إلا المعاصي؛ فإنها هي التي دمرت عليهم، وصَيَّرتهم إلى أسوء عاقبة في الدنيا والآخرة.

(1) رواه مسلم.

(2) الصحيح أن عذاب البرزخ على الروح والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، وانظر"شرح العقيدة الطحاوية": ص 348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت