الصفحة 174 من 530

ومن ثمرات المعاصي حرمان العلم وحرمان الرزق كما في"المسند": (( أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) )، ومنها وحشةٌ يجدها العبد بينه وبين الله، وبينه وبين الناس - لا سيَّما أهل الخير منهم - وتعسير أموره فلا يتوجَّه لأمر إلا وجده مغلقًا أو متعسِّرًا عليه.

ومنها حرمان الطاعة، ومنها ظلمة القلب وجبنه ووهنه، ووهن البدن، وتقصير العمر ومحق بركته؛ فإن البر كما يزيد في العمر، فإن الفجور ينقصه، ومنها انسلاخ القلب من استقباحها فتصير له عادة، والمعصية سببٌ لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، وتورث الذل - ولا بُدَّ - وتفسد العقل، وإذا تكاثرت طُبِع على قلب صاحبها، وتدخل العبد تحت لعنة الله، وتُحْدِث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء، والزرع والثمار، والمساكن والأشجار؛ قال الله - تعالى: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] ، قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد، فيُحْبَس بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وقال ابن زيد: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ} قال: الذنوب، ولا منافاة بين القولين؛ فإن الآية تشمل هذا وهذا، وعن عبدالله بن عمر - رضِي الله عنهما - قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه، فقال: (( يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتُلُوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مَضَوْا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتُلُوا بالسنين وشِدَّة المؤونة وجور السلطان، وما منع قومٌ زكاة أمولهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمَّتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم ) ) [1] ، وعن ابن عباس - رضِي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ما طفَّف قومٌ كيلًا ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله - عزَّ وجلَّ - القطر، وما ظهر في قومٍ الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلَّط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قومٍ القتل يقتل بعضهم بعضًا إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم، ولا ظهر في قومٍ عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قومٌ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر إلا لم تُرْفَع أعمالهم، ولم يُسْمَع دعاؤهم ) ) [2] .

(1) رواه ابن ماجه.

(2) رواه الطبراني وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت