الصفحة 197 من 530

منه، وحال بينك وبين ما تريد، جليسك الصالح لا يملُّ قربك ولا ينساك على البعد وإن حصل لك خير هنَّأك، وإن أصابتك مصيبة عزَّاك، يسرُّك إذا حضرت بحديثه، ويرضيك بأفعاله، ويحضر بك مجالس العلم وحِلَق الذكر وبيوت العبادة، ويزيِّن لك الطاعة بالصلاة والصيام والإنفاق في سبيل الله، وكف الأذى واحتمال المشقَّة، وحسن الجوار وجميل المعاشرة، ويقبِّح لك المعصية ويذكِّرك ما يعود به الفساد عليك من الويل والشقاء في عاجل الأمر وآجله، وما زال ينفعك ويرفعك ويزجرك ويردعك حتى يكون كبائع المسك وأنت المشتري، ولصلاحه ونصحه لا يبيع عليك إلا طيبًا ولا يعطيك إلا جيدًا، وإن أبيت الشراء طيَّبك وصبَّ عليك العطر، فلا تمر بشارع ولا تسلك طريقًا الا وعبق منك الطيب وملأت به الأنوف، وأولئك هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم.

تنزل عليهم الرحمة فيشاركهم فيها، ويهمُّ بالسوء فلا يقوله ولا يستطيع فعله، إمَّا مخافة من الله وإمَّا حياء من الناس، فالخير الذي تصيبه من جليسك الصالح أبلغ وأفضل من المسك الأذفر؛ فإنه إمَّا أن يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك، أو يُهدِي لك نصيحة، أو يحذرك من الإقامة على ما يضرُّك، فيحثُّك على طاعة الله وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام، ويدعوك إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها بقوله وفعله وحاله، فإن الإنسان مجبول على الاقتداء بصاحبه وجليسه، والطِّبَاع والأرواح جنودٌ مجنَّدة، يقود بعضها بعضًا إلى الخير أو إلى ضدِّه، وفي الحديث: (( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يخالل ) ) [1] ، وفي الحكمة المشهورة: لا تسأل عن المرء واسأل عن قرينه.

وأقلُّ ما تستفيده من الجليس الصالح أن تنكف بسببه عن السيئات والمعاصي رعايةً للصحبة ومنافسةً في الخير وترفُّعًا عن الشر، وفوائد الأصحاب الصالحين لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وحسب المرء أن يعتبر بقرينه، وأن يكون على دين خليله.

وأمَّا قرين السوء فهو بضدِّ ذلك كلِّه فإنك إن لم تشاركه في إساءته أخذت بنصيب وافر من الرضا بما يصنع والسكوت على شرٍّ تخاف منه وتحذره، وتحتاط لحفظ كرامتك من أن يمزِّقها، أو أن يُسمِعك عن نفسك أو عن الآخَرين ما لا تحبُّ، فهو كنافخ الكير وأنت جليسه القريب منه يحرق بدنك وثيابك، ويملأ أنفك بالروائح الكريهة، وأنت وإيَّاه في الإثم سواء، ومَن أعان على معصية ولو بشطر كلمة فهو كالفاعل، وكلُّ كلام لا يحلُّ فهو من

(1) رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت