الصفحة 198 من 530

اللغو الذي مدح الله تاركيه بقوله: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص: 55] ، وقد يكون جليس السوء قويًّا لا تستطيع مقاومته ولا الإنكار عليه فخيرٌ لك الابتعاد عنه؛ لئلاَّ تقع في معصيتين: السكوت على الباطل، وموافقة أهله.

وفي مجالس الشرِّ تقع الغِيبَة والنميمة والكذب واللعن وكلُّ كلام فاحش، ويقع اللهو والطرب وممالأة الفسَّاق ومجاراتهم على الإسراف في الإنفاق والخوض في الباطل: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] .

وإن أعظم مثل يصوِّر لنا خطر جليس السوء ما حصل لأبي طالب عمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وفاته؛ فقد جاء إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حين احتضاره وهو يلفظ آخر أنفاسه فقال له رغبةً في إسلامه: (( يا عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) )، فقال له أبو جهل وكان جالسًا عنده: أترغب عن ملَّة عبدالمطلب؟ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقِّنه الإسلام وأبو جهل يلقِّنه الكفر إلى أن مات وهو يقول: هو على ملِّة عبدالمطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله [1] بسبب جليس السوء.

فمصاحبة الأشرار ومجالستهم مضرَّة من جميع الوجوه على مَن صاحبهم وشرٌّ على مَن خالطهم، فكم هلك بسببهم أقوام، وكم قادوا أصحابهم في المهالك، وقد قال الله - تعالى - مخبرًا عن معاقبة الظالمين سلوك طريق المؤمنين وندمهم على مصاحبة المضلين {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا تصحب إلا مؤمنًا ) ) [2] ، ويقول الشاعر:

وَاخْتَرْ مِنَ الأَصْحَابِ كُلَّ مُرْشِدِ = إِنَّ القَرِينَ بِالقَرِينِ يَقْتَدِي

وَصُحْبَةُ الأَشْرَارِ دَاءٌ وَعَمَى = تَزِيدُ فِي القَلْبِ السَّقِيمِ السَّقَمَا

فَإِنْ تَبِعْتَ سُنَّةَ النَّبِيءْ = فَاجْتَنِبَنَّ قُرَنَاءَ السُّوءْ

وقال - صلى الله عليه وسلم: (( مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أن يحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد ريحًا طيبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق

(1) الحديث في قصة وفاة أبي طالب مخرَّج في الصحيحين.

(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم ورمز السيوطي لصحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت