وهذا النور الذي يعطيه الله عبدَه أعظمُ منَّة منه عليه، وهو أصْل الخير، وهذا النور مهما قَوِيَ فإنه مخلوق، فإياك أن تضعف بصيرتك، ويَقِلَّ تمييزك وعلمك، فتظن هذا النور نور العيان، ومشاهدة القلب لنوع الذات المقدسة؛ وإنما هو نور المعرفة والإيمان، ويبتلى بهذا بعض الصوفية الذين تَرِد عليهم الواردات القوية، فيقع منهم من الشطح والخطل ما ينافي العلمَ والإيمان، كما أن كثيف الطبع، جافي القلب قد تراكمتْ عليه الظلمات، وتوالتْ عليه الغفلات، فلم يكن له من هذا النور حظٌّ ولا نصيب؛ بل ربما ازدرى من سفاهة عقله وقلة وجده هذه الأحوالَ، وزهد فيها، فمتى منَّ الله على العبد بمعرفة صحيحة متلقَّاة من الكتاب والسنة، وتفقَّه في أسماء الله وصفاته وتعبد لله بها، واجتهد أن يحقق مقام الإحسان فيعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، ولهج بذكر الله - تعالى - استنار قلبُه، وحصل له من لذة المعرفة، ومواجيد الإيمان أعظم اللذات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
ومن أسمائه الحسنى: (المقَدِّم والمؤخِّر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع) ، من أسمائه الحسنى ما يؤتى به مفردًا، ويؤتى به مقرونًا مع غيره، وهو أكثر الأسماء الحسنى، فيدل ذلك على أنَّ لله كمالًا من إفراد كلٍّ منَ الاسمين فأكثر، وكمالًا من اجتماعهما أو اجتماعها.
ومن أسمائه ما لا يؤتى به إلا مع مقابلة الاسم الآخر؛ لأنَّ الكمال الحقيقي تمامه وكماله من اجتماعهما، وذلك مثل هذه الأسماء، وهي متعلِّقة بأفعاله الصادرة عن إراداته النافذة، وقدرته الكاملة، وحكمته الشاملة، فهو - تعالى - المقدِّم في الزمان والمكان والأوصاف الحسية، والمقدم في الفضائل والأوصاف المعنوية، والمؤخِّر لمن شاء في ذلك، المعطي من شاء من القوة والقوى الحسية والعقل والمعارف والكمالات المتنوعة، المانع لمن يشاء ممن لا يستحق ذلك، وهو - تعالى - النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكَوْنيَّة وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإن الله - تعالى - جعل مقاصد للخلق وأمورًا محبوبة في الدين والدنيا، وجعل لها أسبابًا وطرقًا، وأمر بسلوكها، ويسَّرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلتْه إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها، أو فوَّت كمالها، أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب فلا يلومنَّ إلا نفسَه، وليس له حجة على الله، فإن الله أعطاه السمع والبصر