والفؤاد والقوة والقدرة، وهداه النجدين، وبيَّن له الأسباب والمسببات، ولم يمنعه طريقًا يوصل إلى خيرٍ ديني ولا دنيوي، فتخلفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملومَ عليها، المذموم على تركها.
واعلم أن صفات الأفعال التي منها هذه الأسماء كلها متعلِّقة وصادرة عن هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة التامة، وهي كلها قائمة بالله، والله متَّصف بها، وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير، والنفع والضر، والعطاء والحرمان، والخفض والرفع، لا فرق بين محسوسها ومعقولها، ولا بين دينيِّها ودنيويِّها، فهذا معنى كونها أوصاف أفعال، لا كما ظنَّه أهلُ الكلام الباطل: أن الفعلَ هو عين المفعول، وأنه لم يقم بالله منها وصْف، فهذا مخالفٌ للعقل والنقل، وقول متناقِض في نفْسه، فإنَّ الآثار تدل على المؤثر، كما أنَّ الوصف يدلُّ على الأثر، فهما شيئانِ متلازِمان لا ينفَكُّ أحدهما عن الآخر، دلَّ الكتابُ والسنة والعقلُ على ذلك، فمَن فرَّق بينهما فأثبت المفعول ونفى الفعل، فقوله غير معقول ولا منقول.
واعلم أن الأفعال الاختيارية للباري نوعان: نوع متعلِّق بذاته المقدسة؛ كالاستواء على العرش، والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، والمجيء والإتيان ونحوها، ونوع متَعلِّق بالمخلوقات؛ كالخلق والرزق، والعطاء والمنْع، وأنواع التدابير الكونيَّة والشرعيَّة، والله أعلم.
فصل
أسماء الله كلها حسنى، وكلها تدل على الكمال المطلق، والحمد المطلق، وكلها مشتَّقة من أوصافها، فالوصْفُ فيها لا ينافي العَلَميَّة، والعلمية لا تُنافي الوصْف، ودلالتها ثلاثة أنواع:
دلالة مطابقة: إذا فسَّرنا الاسم بجميع مدلوله.
ودلالة تضمُّن: إذا فسرناه ببعض مدلوله.
ودلالة التزام: إذا اسْتَدْلَلْنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها.
فمثلًا: (الرحمن) ، دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن؛ لأنها داخلة في الضِّمن، ودلالته على الأسماء التي لا توجد الرحمةُ إلا بثبوتها؛ كالحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، ونحوها دلالةُ التزام.
وهذه الأخيرة تحتاج إلى قوة فكْر وتأمُّل، ويتفاوَت فيها أهلُ العلم، فالطريقُ إلى معرفتها أنك إذا فهمتَ اللفظ، وما يدل عليه من المعنى، وفهمته فهمًا جيدًا، ففكر فيما يتوقف عليه