الصفحة 34 من 530

الخامس: مُتابعة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته، واتباعه في أمره ونهيه، وقد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 24] ، والمراد: أن الله لا يوصل إليه إلا عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم - باتِّباعه وطاعته.

قال ابن رجب: ومحبة الرسول على درجتين:

إحداهما: فرْض، وهي المحبة التي تقتضي قَبول ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند الله، وتلقيه بالمحبة والرِّضا، والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتِّباع له، فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به من الواجبات، والانتهاء عما نهى عنه منَ المحرَّمات، ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه، بحسب القُدرة، فهذا القدر لا بُدَّ منه، ولا يتم الإيمان بدونه.

والدرجة الثانية: فضل: وهي المحبة التي تقتضي حُسن التأسِّي به، وتحقيق الاقتداء بسنَّته في أخلاقه، وآدابه، ونوافله، وتطوُّعاته، وأكْله، وشُربه، ولباسه، وحُسن معاشرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة، وأخلاقه الطاهرة والراقية، والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، واهتزاز القلب عند ذِكْره، وكثرة الصلاة والسلام عليه، لما سكن في القلب من محبته، وتعظيمه، وتوقيره، ومحبة استماع كلامه، وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين، ومن أعظم ذلك الاقتداءُ به في زُهده في الدنيا الفانية، والاجتزاء باليسير منها، والرغبة في الآخرة الباقية. ا هـ [1] .

ومِن علامات محبة الله ورسوله: أن يحبَّ ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله، ويؤثِر مرْضاته على ما سواه، وأن يسعى في مرضاته ما استطاع، وأن يبعدَ عما حرَّمه الله، ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ويمتثل أمره، ويترك نهيه، كما قال - تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ، فمَن آثر أمرَ غيرِه على أمْرِه، وخالف ما نهى عنه، فذلك علَمٌ على عدم محبته لله ورسوله؛ فإنَّ محبة الرسول مِن لازم محبة الله - كما تقدم - فمَن أحب الله وأطاعه، أحب الرسول وأطاعه، ومحبة الله تستلزم محبةَ طاعته؛ فإنه يحب من عبده أن يطيعه، والمحب يحب ما يحبه محبوبه ولا بد.

ومِن لازم محبة الله أيضًا: محبة أهل طاعته، كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده؛ فمحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله من كمال الإيمان، ومَن أحب الله - تعالى - أحب فيه، ووالى

(1) من كتاب"استنشاق نسيم الأنس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت