فهرس الكتاب
15 -الحبُّ في الله والبُغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين - أما بعدُ:
فإنَّ مِن واجبات الإيمان ولوازمه محبةَ الله - تعالى - ومحبَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومحبة المؤمنين - ومحبة ما يُحبه الله ورسوله من الإيمان والعمل الصالح وتوابع ذلك، وبغض ما يبغضه الله ورسوله من الكفْر والشرك والفسوق والمعاصي، وبُغض أعداء الله ورسوله من الكفرة والمشركين، واليهود والنصارى، والعصاة والملحدين، فالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، أوثَقُ عُرى الإيمان وأحب الأعمال إلى الله تعالى، والمرءُ مع من أحب يوم القيامة، كما وردت السنة بذلك، فمحبة الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمة على محبة الأولاد والأموال والنفوس؛ قال الله - تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .
ومِن لازم محبَّة الله ورسولِه عداوةُ المشركين والكافرين، وقد أوجب الله ذلك، وحرم موالاتهم وشدد فيها، ورتَّب على موالاة الكافرين سخطه والخلود في العذاب، وأخبر أن ولايتهم لا تحصل إلا ممن ليس بمؤمن، وأما أهل الإيمان بالله وكتابه ورسوله، فإنهم لا يُوالونهم، بل يعادونهم، كما أخبر الله عن خليله إبراهيم والذين معه أنهم: {قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] ، وقال - تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .
فنهى الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى، وذكر أن مَن تولاَّهم فهو منهم؛ أي: مَن تولَّى اليهود فهو يهودي، ومَن تولَّى النصارى فهو نصراني، وكذلك من تولى المشركين فهو مشرك، ثم أخبر - تعالى - أن الذين في قلوبهم مرض؛ أي: شك في الدين وشبهة، يسارعون في الكفر قائلين: {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَاِئرَةٌ} ؛ أي: إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين قالوا: نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل، فيتسلَّطون علينا، فيأخذون أموالنا،