الصفحة 50 من 530

ويشردوننا من بلداننا، وهذا هو ظن السوء بالله، الذي ظنه المنافقون؛ لأنه ظنّ غير ما يليق بالله وحكمته ووعده الصادق، وقد قال الله فيهم: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] ، فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - قد نهى المؤمن عن موالاة أبيه وأخيه اللذين هما أقرب الناس إليه، إذا كان دينهما غير الإيمان، وبيَّن أن الذي يتولى أباه وأخاه إذا كانا كافرين، فهو ظالم، فكيف بِمَن تولى الكافرين الذي هم أعداء له ولآبائه ولدينه؟ أفلا يكون هذا ظالمًا؟ بلى والله، إنه لمن أظلم الظالمين، وبين - تعالى - أن المحبوبات الثمانية المتقدِّمة، وهي: الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال المكتسبة، والتجارة، والمساكن، لا تكون عذرًا في موالاة الكافرين، فليس لأحد أن يواليهم خوفًا على أبيه أو أخيه أو بلاده أو ماله أو عشيرته أو مخافته على زوجاته، فإن الله قد سدَّ على الخلق باب الأعذار، فمحبة الله ورسوله توجِب إيثار عداوة المشركين ومقاطعتهم على هذه الثمانية، وتقديمها عليها، وقال - تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .

فتبيَّن أنَّ موالاة المسلم للكافر سبب الافتتان في الدِّين، بترْك واجباته، وارتكاب مُحرماته، والخروج عن شرائعه، وسبب الافتتان في الأديان والأبدان والأموال، وقال - تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 89] ، فأخبر - تعالى - عن الكفار: أنهم يودون كفر المسلمين كما كفروا، ثم نهى أهل الإيمان عن موالاتهم، حتى تحصل منهم الهجرة بعد الإسلام.

وكيف يدَّعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه كما قيل:

أَتُحِبُّ أَعْدَاءَ الحَبِيبِ وَتَدَّعِي = حُبًّا لَهُ مَا ذَاكَ فِي إِمْكَانِ

شَرْطُ المَحَبَّةِ أَنْ تُوافِقَ مَنْ تُحِبْـ = ـبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ بِلا عِصْيَانِ

فَإِذَا ادَّعَيْتَ لَهُ المَحَبَّةَ مَعْ خِلا = فِكَ مَا يُحِبُّ فَأَنْتَ ذُو بُهْتَانِ

فالحب في الله والبغض في الله أصلٌ عظيم من أصول الإيمان؛ ولهذا جاء في الحديث: (( أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله ) ) [1] ، ولذلك أكثر الله من ذِكره في القرآن؛ قال - تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ

(1) رواه الطبراني في"الكبير"عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت