فهرس الكتاب
ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران: 28] ، فنهى الله المؤمنين أن يوالوا الكافرين، ومَن يفعل ذلك فليس من ولاية الله في شيء، فإن موالاة الولي ومُوالاة عدوه متنافيان؛ {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ، فرخَّص في موالاتهم إذا خافوهم، فلم يُحسنوا معاشرتهم إلا بذلك، وكانوا مقهورين لا يستطيعون إظهار العداوة لهم، فحينئذٍ تجوز المعاشَرة ظاهرًا، والقلب مطمئن بالإيمان والعداوة والبغضاء للكافرين؛ كما قال - تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] ، وقال - تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] ، فنفى - سبحانه وتعالى - الإيمان عمن هذا شأنه، ولو كانت مودته ومحبته لأبيه وأخيه وابنه، فكيف بغيرهم؟ أخبر - سبحانه - أنه لا يوجد مؤمن يوادُّ كافرًا، فمَن واد الكفَّار فليس بمؤمن.
وحاصل ما تقدَّم: أن الله - سبحانه وتعالى - نهى عن موالاة الكفار، وأخبر أنَّ مَن توَلاهم فهو منهم، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنَّ مَن أحب قومًا حُشر معهم ) ).
ويُفهم مما تقدَّم مِن أدلة الكتاب والسنة والآثار عن السلف أمور مَن فعلها تعرَّض للوعيد بمسيس النار:
أحدها: التولِّي العام.
الثاني: المودَّة والمحبَّة الخاصة.
الثالث: الرُّكون القليل؛ قال - تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 74، 75] ، فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق - صلوات الله وسلامه عليه - فكيف بغيره؟!
الرابع: مداهنتهم ومداراتهم؛ {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] .
الخامس: طاعتهم فيما يقولون وفيما يشيرون، كما قال - تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .
السادس: تقريبهم في الجلوس.
السابع: مشاورتهم في الأمور.
الثامن: استعمالهم في أمْر مِن أُمُور المسلمين إمارة أو عمالة أو كتابة أو غير ذلك.