الصفحة 53 من 530

اعلم - أيها المسلم: أن الإنسان إذا أظْهر للمشركين الموافَقة على دينهم خوفًا منهم، ومداراة لهم، ومُداهنة لدفع شرهم - فإنه كافرٌ مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة، واستقوى بهم، ودخل في طاعتهم، وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصر والمال، ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها، بعد أن كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؟! فإنَّ هذا لا يَشُك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يستثنى من ذلك إلا المكرَه، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر وإلا قتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللِّسان مع طمأنينة القلب بالإيمان، وقد أجمع العلماء على أن مَن تكلَّم بالكفر هازلًا أنه يكفُر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفًا أو طمعًا في الدنيا؟

وإليك بعض الأدلة على ذلك:

قال - تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} الآية [البقرة: 217] ، فأخبر - تعالى - أن الكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين، حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، ولم يُرَخِّص في موافقتهم خوفًا على النفس والمال والحرمة، بل أخبر أن من وافقهم بعد أن قاتلوه ليدفع شرَّهم أنه مرتد، فكيف بمَن وافقهم من غير قتال؟ إنه أولى بعدم العذر، وإنه كافر مرتد، وقال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149] ، فأخبر - تعالى - أن المؤمنين إنْ أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إنْ فعَلُوا ذلك صاروا منَ الخاسرين في الدنيا والآخرة.

وقال - تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80] ، فذكر الله - تعالى - أن موالاة الكفار - وهي: محبتهم ومصادقتهم - موجبة لسخط الله والخلود في العذاب الأليم، وأن موالاة الكفار منافية للإيمان بالله والنبي - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل الله، ثم أخبر أن سبب ذلك كونُ كثير منهم فاسقين؛ أي: خارجين عن طاعة الله ورسوله.

وقال - تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] ، فذكر - تعالى - أن الركون إلى الظلَمة، وهو: الميل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت