فهرس الكتاب
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر: 18 - 20] ، واعلموا أن الله - تعالى - لَم يخلقْنا عبَثًا، وإنما خَلَقَنَا لعبادته وحده لا شريك له؛ قال - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وقال - عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .
واعلموا أن الله - سبحانه - لما خلقَنا لعبادته لم يتركْنا هملًا، بل أرسل إلينا أفضل الرسل نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كما أرسل إلى كل أمَّة رسولَها، وأنزل عليه القرآن، أفضل الكتب؛ ليكون للعالمين نذيرًا، وقد بلَّغ - صلى الله عليه وسلم - الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فلا خير إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شر إلا حذَّرَها منه، وسيأتي يوم القيامة شهيدًا بالبلاغ، كما يأتي كلُّ نبي قبله شهيدًا على أمته كذلك، فلا حجة لأحدٍ على الله من بعد الرسل، قال - تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] .
آن لكم أن تعرفوا أنَّ ما حل بأهل الجاهلية من عداء وخوف، وفقر وفرقة ودمار، إنما هو بسبب بعدهم عن الوحي، وانغماسهم في الشهوات والأهواء، حتى عبدوا الأصنام وتحاكَموا إلى الطاغوت، وآن لكم أن تعرفوا أن ما ناله أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون لهم بإحسان من ألفة وتحاب، وأمْن وغنى واجتماع، ويُمن وبركة، وعز وسيادة، وسعادة في الدنيا والآخرة، إنما هو بسبب تمسُّكهم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد آن لكم أن تعرفوا أن ما حل بالمسلمين وبحكَّامهم اليوم من فرقة وسوء تفاهُم، وضعف وتسليط عدو، إنما هو بسبب بُعدهم، وبسبب غفلتهم عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا من شاء الله، وإن كان القراء اليوم فيهم أكثر عددًا من القرَّاء في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - فإن الفرق بين الفريقين: أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذا تعلَّم أحدُهم عشر آيات من كتاب الله، لم يتجاوزهن حتى يتعلمَ معانيهن والعمل بهن، أما كثيرٌ من القراء اليوم، فهم يقرؤون القرآن كله، ولكنهم لا يعملون به؛ بل إنهم بعيدون عنه كل البعد؛ بدليل عدم تخلُّقهم بخلقه، وعدم انقيادهم لأوامره، مما أدَّى بهم إلى ما هم فيه مِن شر وبُعد عن الحق - فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - إذا عرفتم ذلك فاعلموا أنه لا نجاة لنا ولا سعادة في الدنيا