ومِن كلام الله - سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتابُ الله المبين، وحبْلُه المتين، وصراطه المستقيم، وتنْزيل ربِّ العالمين، نَزل به الرُّوح الأمين، على قلْب سيد المرسلين، بلسانٍ عربي مبين، مُنَزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو سُوَر محكمات، وآيات بَيِّنات، وحروف وكلمات، مَن قرأه فأعربه فله بكلِّ حرْف عشرُ حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متْلُوٌّ بالألسنة، مَحْفوظ في الصدور، مسموعٌ بالآذان، مكتوبٌ في المصاحف، فيه مُحكَم ومتشابِه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي؛ {لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] .
واتَّفق المسلمون على عدِّ سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن مَن جحد من القرآن سورةً أو آية أو كلمةً أو حرفًا متَّفقًا عليه - أنه كافر.
والمؤمنون يَرَوْن ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه، ويُكَلِّمهم ويكلمونه؛ قال - تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] ، وقال - تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] ؛ يعني: الكفار، فلما حجب أولئك في حال السخط، دلَّ على أن المؤمنين يرَوْنه في حال الرِّضا، وإلا لم يكنْ بينهما فرقٌ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إنكم ترَون ربَّكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته ) )؛ حديث صحيح، متفق عليه.
وهذا تشْبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئيِّ بالمرئي؛ فإنَّ الله - تعالى - لا شبيه له ولا نظير.
ومِن صفات الله - تعالى - أنه الفَعَّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن سُلطانه، ولا يصدر إلاَّ عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خطَّ في اللوح المسطور، أراد ما العالَم فاعلوه، ولو عصمهم لَمَا خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلَق الخلْق وأفعالهم، وقدر أرْزاقهم وآجالهم، يهْدي مَن يشاء برحمته، ويضل مَن يشاء بحكمته، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ، قال الله - تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
ولا نجعل قضاء الله وقدره حجَّةً لنا في ترْك أوامره، واجتناب نواهيه؛ بل يجب أن نؤمنَ ونعلم أن لله الحجةَ علينا، بإنزال الكُتُب، وبعْثة الرُّسل؛ قال الله - تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، ونعلم أنَّ الله - سبحانه - ما أمر ونهى إلا المستطيعَ للفِعْل والتَّرْك، وأنه لَم يُجبرْ أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترْك طاعة؛ قال الله - تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: