فهرس الكتاب
إن الرجل منَّا إذا أراد أن يقابل مَلِكًا أو رئيسًا، تجمَّلَ لمقابلته، وأقْبل عليه بكليَّته وسمعه وبصره، وإن المصلِّي يقف أمام الله مَلِك الملوك، يناجيه بكلامه، وهو يراه ويسمعه، ويعلم سرَّه وعلانيته، فليراقبْه بالخشوع والخضوع، والمحبة والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة.
إن الصلاة بقيامها وركوعها، وسجودِها وأذكارها، وجميعِ حركاتها - عبادةٌ لله تعني الانقيادَ الكامل، والطاعةَ التامة، والاستسلامَ لله ربِّ العالمين، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه مدى الحياة، وفي جميع الأزمنة والأمكنة.
وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتابه:"الوابل الصيب من الكلم الطيب":"والناس في الصلاة على مراتبَ خمسةٍ:"
إحداها: مرتبة الظالم لنفسه المفرِّط، وهو الذي نَقَصَ من وضوئها ومواقيتها، وحدودها وأركانها.
الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها؛ لكن قد ضيع مجاهدةَ نفسه بالوسوسة؛ فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهَدَ نفسه في دفْع الوساوس والأفكار، فهو مشغول في مجاهدة عدوِّه؛ لئلا يسرق من صلاته؛ فهو في صلاة وجهاد.
الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمَلَ حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها؛ لئلا يضيع منها شيءٌ؛ بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي.
الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبَه ووضعه بين يدي ربه - سبحانه وتعالى - ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وتعظيمه، كأنه يراه ويشاهدُه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضلُ وأعظم مما بين السماء والأرض.
فالقِسم الأول: معاقَب، والثاني: محاسَب، والثالث: مكفَّر عنه، والرابع: مثاب، والخامس: مقرَّب من ربه؛ لأن له نصيبًا ممن جُعلتْ قرة عينه في الصلاة فاستراح بها، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( أرِحْنا يا بلال بالصلاة ) ) [1] ، ويقول: (( جُعلت قرة عيني في الصلاة ) ) [2] ، ومن قَرَّتْ عينُه بالصلاة قرَّتْ عينُه بالله، ومن قرتْ عينه بالله قرتْ به كلُّ عين، ومن لم تقرَّ عينُه بالله تقطعتْ نفسُه على الدنيا حسرات، وإنما يقوى العبدُ على حضوره في الصلاة، واشتغاله
(1) ذكره ابن القيم في"زاد المعاد"، ج1/ ص136، ورواه أبو داود عن سالم بن أبي الجعد.
(2) رواه الطبراني في"الكبير"عن المغيرة بن شعبة؛"الجامع الصغير"، ج1/ ص144.