فهرس الكتاب
فيها بربه، إذا قهر شهوتَه وهواه، وإلا فقلبٌ قد قهرتْه الشهوةُ، وأسَرَه الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟!" [1] انتهى."
وقال بعض العلماء: يحتاج المصلِّي إلى أربع خصال حتى تُرفع صلاته: حضور قلب، وشهود عقل، وخضوع أركان، وخشوع الجوارح، فمَن صلى بلا حضور قلب، فهو مصلٍّ لاهٍ، ومن صلى بلا شهود عقل، فهو مصلٍّ ساهٍ، ومن صلى بلا خضوع الأركان، فهو مصلٍّ جافٍ، ومن صلى بلا خشوع الجوارح، فهو مصلٍّ خاطئٌ، ومن صلى بهذه الأركان، فهو مصلٍّ وافٍ [2] .
وقال - صلى الله عليه وسلم - لمن طلب منه موعظةً وجيزة: (( صلِّ صلاةَ مودِّع ) ) [3] ؛ أي: إذا صليتَ فأكمل صلاتَكَ كأنها آخر صلاة تصلِّيها في حياتك، والخشوع في الصلاة حالةٌ تخضع وتطمئن فيها الجوارحُ بأعمال الصلاة، ترافقها أذكارٌ صادرة عن ذهن حاضر متدبِّر، وتواكبها خواطرُ تقوم بالفؤاد منفعلة بمهابة الله وإجلاله، ومشاعرُ متَّجهة إليه في القنوت والإخبات.
ولا تتم صلاةٌ بغير خشوع مهما كانتْ ملتزمة بالمظهر المسنون، أو انضبطتْ فيها الحركات الآلية، أو تم كلامُ اللسان، والخشوع حالة لا تتيسَّر إلا لمن تعهَّد نفسه بالتزكية، ورطَّب لسانه بذِكر الله في كل حين، وألان فؤادَه باستشعار هيبة ربِّه؛ حتى تفجرتْ في نفسه ينابيعُ الإيمان، وعرف طمأنينة اليقين، فصار يحسن العبادة كأنه يرى الله {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] ، وقد فسَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحسانَ بأنْ (( تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك ) ) [4] .
والخشوع تكاملٌ بين معانٍ مختلفة، من التوجُّه إلى الله، ومن التجرُّد له عما سواه، واستشعار جلال الله وعظمته، والتذلُّل له، والخضوع والاستكانة بين يديه، ولا بد من استحضار هذا الشعورِ الكامل لدى كلِّ قول أو عمل من إجراءات الصلاة؛ فالخشوع قيامُ القلب بين يدي الربِّ بالخضوع والذلِّ.
(1) "الوابل الصيب من الكلم الطيب"، ص30 - 31.
(2) "شرح الأربعين النووية"، للنووي، ص15، من مجموعة الحديث.
(3) رواه أحمد؛"بهجة قلوب الأبرار"، لابن سعدي، ص190.
(4) رواه مسلم.