فإن كان الأول فلا خلل ولا غلط ، وإن كان الثاني فهو مثار الغلط ، ويسمى المصادرة على المطلوب الأول .
وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يؤخذ المطلوب بعينه مقدمةً في الدليل .
ومثاله في العقليات: قول القائل: العلم لا يحدُّ لأنه ضروري ، فإنه لا يحدُّ بنفسه لاستحالة ذلك ، ولا بغيره لأن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم ، فهذا قد أخذ المطلوب مقدمةً في دليله بعينه .
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: المكره لا يلزمه الطلاق / لأن المكره مغلق عليه ، والمغلق عليه لا يلزمه الطلاق ، فالمكره لا يلزمه الطلاق .
أما الصغرى فلأن الإكراه والإغلاق لفظان مترادفان عند أرباب اللغة.
وأما الكبرى فلقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا طلاق في إغلاق ) ).
فيقول الخصم: الكبرى التي أخذتها في هذا القياس هي عين المطلوب .
ومن ذلك: قول القائل في بيان أن النوم حدث يوجب الوضوء: قال الله تعالى: (( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) )، ومن المعلوم أن الآية لا تؤخذ بظاهرها ، وإلا لزم الوضوء كل قائم متطهرًا أو غير متطهر ، فلا بد من إضمارٍ في الآية .
فإما أن تضمر من الأحداث ما ذكر في الآية أو لم يذكر فيها ، ولا يصح إضمار ما ذُكِر لما يلزم في ذلك من التكرار ، فتعين أن المضمر ما لم يذكر ، ولم يبق مما لم يذكر إلا النوم ، فكأنه قال: إذا قمتم من النوم ، فدلَّ أن النوم حدث يوجب الوضوء .
فيقول الخصم: إنما يتعين إضمار النوم بعد تسليم أنه حدث ، فهذه مصادرة .
النوع الثاني: أن يكون المطلوب مساويًا لمقدمة الدليل في الخفاء والمعرفة ، كأخذ أحد المتضايفين في بيان الآخر .
ومثاله في العقليات: قول القائل: الشمس فوق الزهرة في وضع الأفلاك وهيأتها ، والدليل على ذلك أن الزهرة كاسفة للشمس ، والكاسف تحت / المكسوف ، فالزهرة تحت الشمس ، وكلما كانت الزهرة تحت الشمس كانت الشمس فوقها ، فالشمس فوق الزهرة .