الصفحة 3 من 17

الغلطُ في البرهان وغيره من سائر الأدلة والحجاج إما أن يكون من جهة اللفظ ، وإما أن يكون من جهة المعنى .

[ الغلط في اللفظ المفرد ]

أما الذي من جهة اللفظ: فاعلم - وفقك الله - أن اللفظ إذا طابق المعنى مطابقةً تامة ، بحيث لا يحتمل اللفظ في الدلالة غير المعنى المقصود ، لم يقع غلطٌ بسبب اللفظ البتة .

وإذا ثبت أنه لا بد من احتمال في اللفظ ، فذلك الاحتمال: إما أن يكون في اللفظ بعد تحقق كونه مفردًا ، أو بعد تحقق كونه مركبًا ، أو يكون لدورانه وتردده بين الإفراد والتركيب .

أما إن كان بعد تحقق كونه مفردًا فذلك إما أن يكون الاشتراك في جوهر اللفظ ومادته ، بأي نوع من أنواع الاشتراك ، أعني في الوضع / أو بكونه حقيقة في أحد المعنيين مجازًا في الآخر أو منقولًا أو نحو ذلك ، أو يكون في هيئة اللفظ وصورته دون مادته ، أو يكون لأمر خارج عن اللفظ عارض له ولاحق من لواحقه .

[ الاشتراك في جوهر اللفظ ]

أما الاشتراك في جوهر اللفظ فذلك مثار الغلط .

ومثاله في العقليات: قول السفسطائي: واجب الوجود إما أن يكون ممكنًا أن يكون ، أو ليس ممكنًا أن يكون .

فإن لم يكن ممكنًا أن يكون فهو ممتنع أن يكون ، فواجب الوجود ممتنع أن يكون !! هذا خُلْفٌ .

وإن كان ممكنًا أن يكون ، وكلُّ ممكنٍ أن يكون ممكنٌ أن لا يكون ، فواجب الوجود ممكن أن لا يكون !! هذا خُلْفٌ .

ومثار الغلط فيه أن لفظ ( الممكن ) مشترك بين الممكن العام وهو الذي معناه لا يمتنع ، وبين الممكن الخاص وهو الذي معناه جواز الوجود والعدم .

فالممكن الذي أُخِذَ وسطًا في القياس المذكور إن كان معناه الممكن العام مَنَعْنَا قولَه: ( فكل ممكن أن يكون ممكن ألا يكون ) ، وإن كان معناه الممكن الخاص مَنَعْنَا قولَه: ( إن لم يكن ممكنًا أن يكون فهو ممتنع أن يكون ) ، فلا ينفك عن أحد المعنيين إلا أن يختلف المراد بلفظ الممكن ، وحينئذ لا يتحد الوسط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت