الصفحة 5 من 61

ولعمري فإن ذلك مما يدخل ضمن اختصاص المتصدي لإعداد قانون ما ويريد إلزام العباد به ، فهو غير مطالبٍ بالاختيار على مقتضى قوة الدليل ، بل على ما تقتضيه المصلحة ، فشتان بين عمل المفتي وعمل [ المشرع القانوني ] ، فمن المعلوم أن: [ التصرف على الرعية منوطٌ بالمصلحة ] (1) ، والمفتي يلتزم منهجًا محددًا حتى لا يشتط به الأمر إلى [ التلفيق ] (2) غير المقبول ، أو التنقل غير المبرر والمسمى [ بتتبع الرخص ] (3) ، والذي همُّ المفتي فيه الترخيص ، وقد يؤدي إلى التعطيل .

فالذي لا يرى نقض الوضوء من لمس المرأة ولا يراه من خروج الدم … الخ ، سوف يرى نفسه في وضع الإلغاء لكافة نواقض الوضوء !!! ، وهذا مما لم يقل به أحد .

في حين أن [ الخروج عن العهدة ] (4)

(1) المادة [ 58 ] من مجلة الأحكام العدلية الموضوعة وفق قواعد مذهب الحنفية ، والتي كانت قانونًا مدنيًا - بالتعبير القانوني - في ممالك الدولة العثمانية اعتبارًا من سنة 1286 هـ [ راجع: درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر أفندي ] ، وبقيت مطبقة في البلاد العربية إلى فترات متفاوتة بعد انسلاخ تلك البلاد عن الدولة العثمانية .

(2) التلفيق: الجمع بين رأيين أو أكثر عند العمل بمسألة واحدة ، مما يؤدي إلى الترخص والتفلُّت من الأحكام .

(3) تتبع الرخص: الإنتقال من مذهب إلى آخر ومن غير ضابط - في مسألةٍ واحدةٍ - ، وبحسب الهوى والرغبة في الأخذ بالأيسر ، مما قد يؤدي إلى تعطيل الأحكام ، والتَّفلُّت منها .

(4) الخروج عن العُهدة: محاولة تجنب المؤاخذة عند العمل بالرأي الواحد في المسألة الواحدة ، على افتراض صحة ما قال به المخالف أيضًا ، فيجمع المكلف بين جميع الآراء في العمل . مثل … المبيت بمزدلفة حتى الفجر والصلاة فيها ، فيكون المكلف قد جاء برأي من أجاز البقاء فيها بقدر إنزال الرحال وشدِّها ، ورأي من أجاز الإفاضة منها بعد منتصف الليل ، ومن أوجب البقاء إلى الفجر .

وكذا في مسح الرأس … فالاستيعاب في المسح أفضل ، وفيمن جعل كلَّ ناقضٍ في الوضوء عند إمامٍ من الأئمة ناقضًا لوضوئه .. وهذا مستحسنٌ لمن يؤم الناس في الصلوات ……. وأمثاله كثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت