فهرس الكتاب
الرابعة: إن الدكتور ارتكب جناية عظمى ، ألبسها ثوبًا آخر ، فقال: (( لكن مفهوم الصحة يختلف عند الشيخين من موضوع إلى آخر ، فما هو صحيح في المناقب أو التفسير أو الأدب هو غير الصحيح الذي يرويانه في الأحكام ، ولذلك فهما يتساهلان بعض التساهل في هذه الأبواب ومثيلاتها فيعدون الحديث الحسن صحيحًا لأنه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا ، ومن هنا نفهم لماذا روى الشيخان لبعض المتكلم فيهم في هذه الأبواب ولم يرويا لهم شيئًا في الأحكام والحلال والحرام ) ).
وفي هذا تقول لا يخفى وتحكم لا دليل عليه ولا مستند له ، ونحن نتحدى الدكتور بشارًا أن يأتي بأدلة على هذا القول ، ولو كان مثل هذا من غيره صدر لكان للقلم غير هذا الحديث ، فليس مثل هذا مما يسكت عنه ، فأين ما أجمعت عليه الأمة من أن كل ما في الصحيحين صحيح ؟
فهذا باب كان الأولى بالدكتور أن لا يفتحه ، فضلًا عن أن يترك الباب بعده مشرعًا على مصراعيه ، إذ أشار ولم يفصل ، ولم يبين ، وعمَّى في مقام يقتضي الإسهاب لو كان في الأمر ما يدعو إلى الإسهاب ، وليس له مسعف من أحد من العلماء ، فهي قاعدة شاذة منكرة استخرجها صاحبنا من كيسه ، وتباهى بها كأنه أسس علم تصحيح الأخبار من جديد .
والذي نريد أن لا يخفى عن ذهن القارئ الكريم أن هذا القول ينطوي على انعدام الثقة كليًا بصاحبي الصحيحين وكتابيهما ، إذ أنهما وسما كتابيهما بـ"الصحيح"فكيف إذن (( يعدون الحديث الحسن صحيحًا ) )، وهل إن في الصحيحين أحاديث حِسَان لَمْ تبلغ درجة الصحة ؟؟ معاذ الله من الثرثرة التي لا تجدي نفعًا .
وهل تناسى الدكتور بشار أن علماء مصطلح الحديث منذ أن وضعت لبينته الأولى حتى يوم الناس هذا مجمعون على أن ما اتفق عليه الشيخان هو أعلى مراتب الصحيح على الإطلاق ، بل ذهب جمهورهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني النظري [1] .
(1) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح 34 .